فخر الدين الرازي

176

تفسير الرازي

ما خلق هذا العلم في العاقل ، فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد . وعن الثاني : لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها . وعن الثالث : لا شك إن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفى ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء ، وعن الرابع : ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم . المسألة الثانية : من الناس من قال قوله : * ( وعلم آدم الأسماء كلها ) * أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو ، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها ، فصح أن يكون المراد من الأسماء : الصفات ، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول ، فكان الدليل أسمى في الحقيقة ، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة ، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة ، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به ، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره ، لوجوه : أحدها : أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها ، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة ، أولى من حمله على ما ليس كذلك ، وثانيها : أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة ، فإن من كان عالماً باللغة والفصاحة ، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي : ائت بكلام مثل كلامي في الفصاحة ، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي : تكلم بلغتي ، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة : بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم ، فإن حصل التعليم ، حصل العلم به وإلا فلا ، أما العلم بحقائق الأشياء ، فالعقل متمكن من تحصيله فصحَّ وقوع التحدي فيه . القول الثاني : وهو المشهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها ، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات ، فغلب عليه ذلك اللسان ، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات ، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام . قال أهل المعاني : قوله تعالى : * ( وعلم آدم الأسماء ) * لا بدّ فيه من إضمار ، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات ، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء ، قالوا لكن الأول أولى لقوله : * ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) * وقوله تعالى : * ( فلما أنبأهم بأسمائهم ) * ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم ، فإن قيل : فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات ، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلاً ، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها ؟ قلنا لأنه لما