فخر الدين الرازي
149
تفسير الرازي
هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) * ( المؤمنون : 10 - 11 ) وقال : * ( إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) * وثانيها : أنهم خسروا حسناتهم التي عملوها لأنهم أحبطوها بكفرهم فلم يصل لهم منها خير ولا ثواب ، والآية في اليهود ولهم أعمال في شريعتهم ، وفي المنافقين وهم يعملون في الظاهر ما يعمله المخلصون فحبط ذلك كله ، وثالثها : أنهم إنما أصروا على الكفر خوفاً من أن تفوتهم اللذات العاجلة ، ثم إنها تفوتهم إما عندما يصير الرسول صلى الله عليه وسلم مأذوناً في الجهاد أو عند موتهم ، وقال القفال رحمه الله تعالى : وبالجملة أن الخاسر اسم عام يقع على كل من عمل عملاً لا يجزي عليه فيقال له خاسر ، كالرجل الذي إذا تعنى وتصرف في أمر فلم يحصل منه على نفع قيل له خاب وخسر لأنه كمن أعطى شيئاً ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه ، فسمى الكفار الذين يعملون بمعاصي الله خاسرين قال تعالى : * ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * ( العصر : 2 ، 3 ) وقال : * ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ) * ( الكهف : 103 ، 104 ) والله أعلم . * ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْواَتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * . اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد إلى هذا الموضع فمن هذا الموضع إلى قوله : * ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) * ( البقرة : 40 ) في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين وهي أربعة : أولها : نعمة الأحياء وهي المذكورة في هذه الآية . واعلم أن قوله : * ( كيف تكفرون بالله ) * وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف ، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم ، يبين ذلك أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور الحسان ، كانت معصيته لأبيه أعظم ، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر ، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان ، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم وهو الأحياء ، فهذا هو المقصود الكلي ، فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم ؟ قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ ، وأما الموت فقد تراخى عن الأحياء والأحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل العباد من وجوه : أحدها : أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول : * ( كيف تكفرون بالله ) *