فخر الدين الرازي
145
تفسير الرازي
التأويل الخامس : وهو الإهلاك فغير لائق بهذا الموضع لأن قوله تعالى : * ( ويهدي به كثيراً ) * يمنع من حمل الإضلال على الإهلاك . وأما التأويل السادس : وهو أنه يضله عن طريق الجنة فضعيف لأنه تعالى قال : * ( يضل به ) * أي يضل بسبب استماع هذه الآيات والإضلال عن طريق الجنة ليس بسبب استماع هذه الآيات بل بسبب إقدامه على القبائح فكيف يجوز حمله عليه . وأما التأويل السابع : وهو أن قوله : * ( يضله ) * أي يجده ضالاً قد بينا أن إثبات هذه اللغة لا دليل عليه وأيضاً فلأنه عدى الإضلال بحرف الباء فقال : * ( يضل به ) * والإضلال بمعنى الوجدان لا يكون معدى بحرف الباء . وأما التأويل الثامن : فهو في هذه الآية يوجب تفكيك النظم لأنه إلى قوله يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً من كلام الكفار ثم قوله : * ( وما يضل به إلا الفاسقين ) * كلام الله تعالى من غير فصل بينهما بل مع حرف العطف وهو الواو ، ثم هب أنه ههنا كذلك لكنه في سورة المدثر وهو قوله : * ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) * لا شك أنه قول الله تعالى فهذا هو الكلام في الإضلال . أما الهدى فقد جاء على وجوه : أحدها : الدلالة والبيان قال تعالى : * ( أو لم يهد لهم كم أهلكنا ) * ( السجدة : 26 ) وقال : * ( فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي ) * ( البقرة : 38 ) وهذا إنما يصح لو كان الهدى عبارة عن البيان وقال : * ( إن يتبعوا إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) * ( النجم : 23 ) وقال : * ( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ) * ( الإنسان : 3 ) أي سواء شكر أو كفر فالهداية قد جاءته في الحالتين وقال : * ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) * ( فصلت : 17 ) وقال : * ( ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ) * ( الأنعام : 154 ) وهذا لا يقال للمؤمن وقال تعالى حكاية عن خصوم داود عليه السلام : * ( ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط ) * ( ص : 22 ) أي أرشدنا وقال : * ( إن الذين ارتدوا على إدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ) * ( محمد : 25 ) وقال : * ( أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ) * ( الزمر : 56 ) إلى قوله : * ( أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ) * ( الزمر : 57 ) إلى قوله : * ( بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت ) * الزمر : 59 ) أخبر أنه قد هدى الكافر مما جاءه من الآيات وقال : * ( أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى وحرمة ) * ( الأنعام : 157 ) وهذه مخاطبة للكافرين . وثانيها : قالوا في قوله : * ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) * ( الشورى : 52 ) أي لتدعو وقوله : * ( ولكل قوم هادٍ ) * ( الرعد : 7 ) أي داع يدعوهم إلى ضلال أو هدى . وثالثها : التوفيق من الله بالألطاف المشروطة بالإيمان يؤتيها المؤمنين جزاء على إيمانهم ومعونة عليه وعلى الازدياد من طاعته ، فهذا ثواب لهم وبإزائه ضده للكافرين وهو أن يسلبهم ذلك فيكون مع أنه تعالى ما هداهم يكون قد أضلهم ، والدليل على هذا الوجه قوله تعالى : * ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) * ( محمد : 17 ) ، * ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) * ( مريم : 76 ) ، * ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) * ( آل عمران : 86 ) ، * ( يثبت الله