فخر الدين الرازي

137

تفسير الرازي

المسألة الثانية عشرة : الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته . وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف ، وقال المتكلمون إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا في الوقوع بل في الإيقاع ، واحترزنا بهذا القيد الأخير عن القدرة ، واختلفوا في كونه تعالى مريداً مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى فقال النجارية إنه معنى سلبي ومعناه أنه غير مغلوب ولا مستكره ، ومنهم من قال إنه أمر ثبوتي وهؤلاء اختلفوا فقال الجاحظ والكعبي وأبو الحسن البصري : معناه علمه تعالى باشتماله الفعل على المصلحة أو المفسدة ، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف ، وقال أصحابنا وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهما إنه صفة زائدة على العلم ثم القسمة في تلك الصفة إما أن تكون ذاتية وهو القول الثاني للنجارية ، وإما أن تكون معنوية ، وذلك المعنى إما أن يكون قديماً وهو قول الأشعرية أو محدثاً وذلك المحدث إما أن يكون قائماً بالله تعالى ، وهو قول الكرامية ، أو قائماً بجسم آخر وهذا القول لم يقل به أحد ، أو يكون موجوداً لا في محل ، وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما . المسألة الثالثة عشرة : الضمير في " أنه الحق " للمثل أو لأن يضرب ، وفي قولهم ماذا أراد الله بهذا استحقار كما قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله بن عمرو بن العاص : يا عجبا لابن عمرو هذا . المسألة الرابعة عشرة : " مثلاً " نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث ماذا أردت بهذا جواباً ؟ ولمن حمل سلاحاً رديئاً كيف تنتفع بهذا سلاحاً ؟ أو على الحال كقوله : * ( هذه ناقة الله لكم آية ) * . المسألة الخامسة عشرة : اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكي عنهم كفرهم واستحقارهم كلام الله بقوله : * ( ماذا أراد الله بهذا مثلاً ) * أجاب عنه بقوله : * ( يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ) * ونريد أن نتكلم ههنا في الهداية والإضلال ليكون هذا الموضع كالأصل الذي يرجع إليه في كل ما يجيء في هذا المعنى من الآيات فنتكلم أولاً في الإضلال فنقول : إن الهمزة تارة تجيء لنقل الفعل من غير المتعدي إلى التعدي كقولك خرج فإنه غير متعدٍ ، فإذا قلت أخرج فقد جعلته معتدياً وقد تجيء لنقل الفعل من المتعدي إلى غير المتعدي كقولك كببته فأكب ، وقد تجيء لمجرد الوجدان . حكي عن عمرو بن معد يكرب أنه قال لبني سليم : قاتلناكم فما أجبناكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم ، وسألناكم فما أبخلناكم . أي فما وجدناكم جبناء ولا مفحمين ولا بخلاء . ويقال أتيت أرض فلان فأعمرتها أي وجدتها عامرة قال المخبل : تمنى حصين أن يسود خزاعة * فأمسى حصين قد أذل وأقهرا أي وجد ذليلاً مقهوراً ، ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يقال الهمزة لا تفيد إلا نقل الفعل