فخر الدين الرازي
132
تفسير الرازي
كونه معجزاً ، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة ، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها ثم في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : عن ابن عباس أنه لما نزل : * ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ) * ( الحج : 73 ) فطعن في أصنامهم ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما فنزلت هذه الآية . والقول الثاني : أن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق في قوله : * ( مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ) * والقول الثالث : أن هذا الطعن كان من المشركين قال القفال : الكل محتمل ههنا ، أما اليهود فلأنه قيل في آخر الآية : * ( وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) * وهذا صفة اليهود ، لأن الخطاب بالوفاء وبالعهد فيما بعد إنما هو لبني إسرائيل وأما الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة المدثر * ( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) * الآية فأما الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون ، والذين كفروا يحتمل المشركين لأن السورة مكية فقد جمع الفريقان ههنا . إذا ثبت هذا فنقول . احتمال الكل ههنا قائم لأن الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر اليهود ، وذكر المنافقين ، وذكر المشركين . وكلهم من الذين كفروا ثم قال القفال : وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب لأن معناه في نفسه مفيد . المسألة الثانية : اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء . جعل الحيي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة ، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا ، ومات حياء ، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء ، وذاب حياء ، وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن ، وذلك لا يعقل إلا في حق الجسم ، ولكنه وارد في الأحاديث . روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً " وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان : الأول : وهو القانون في أمثال هذه الأشياء ؛ أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى ، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح ، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل ، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته ، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته ، وكذلك الغضب له ، علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب ، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه ، فإذا وصفنا الله تعالى