فخر الدين الرازي

123

تفسير الرازي

عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها ، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل ، وبالنقل أخرى ، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل ، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه : الوجه الأول : أن كثيراً ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر ، ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه ، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي ، وهذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل ، مثاله ما حكم ههنا بالنار للكفار ، والجنة للأَبرار ، وما أقام عليه دليلاً بل اكتفى بالدعوى ، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل ، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل : * ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقاً ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) * ( النحل : 38 ) وقال في سورة التغابن : * ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤون بما عملتم ) * ( التغابن : 7 ) . الوجه الثاني : أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناءً على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر ، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه ، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون ، فأجابهم الله تعالى بقوله : * ( قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) * ( الواقعة : 49 ) ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة : أولها : قوله : * ( أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ) * ( الواقعة : 58 ) وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها ، ثم إن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية ، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جداً ، أولاً في أطراف العالم ، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان ، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني ، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقاً إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص ، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى ؟ فهذا تقرير هذه الحجة ، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في سورة الحج : * ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ) * إلى قوله : * ( وترى الأرض هامدة ) * ثم قال : * ( ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيءٍ قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) * ( الحج : 6 ، 7 ) وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة : * ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) * ( المؤمنون : 15 ، 16 ) وقال في سورة لا أقسم : * ( ألم يك نطفة من مني يمني ثم كان علقة فخلق فسوى ) * ( القيامة : 37 ، 38 ) وقال في سورة الطارق : * ( فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج ) * إلى قوله : * ( إنه على رجعه لقادر ) * ( الطارق : 5 - 8 ) . وثانيها : قوله : * ( أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه ) * إلى قوله : * ( بل نحن محرومون ) * ( الواقعة : 67 ) وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه