فخر الدين الرازي

106

تفسير الرازي

على الأرض في الذكر . وقال آخرون : بل الأرض أفضل لوجوه " ا " أنه تعالى وصف بقاعاً من الأرض بالبركة بقوله : * ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً ) * ( آل عمران : 96 ) " ب " * ( في البقعة المباركة من الشجرة ) * ( القصص : 30 ) " ج " * ( إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) * ( الإسراء : 1 ) " د " وصف أرض الشام بالبركة فقال : * ( مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ) * ( الأعراف : 137 ) وخامسها : وصف جملة الأرض بالبركة فقال : * ( قل أئنكم لتكفرون ) * ( فصلت : 9 ) إلى قوله : * ( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها ) * ( فصلت : 10 ) فإن قيل : وأي بركة في الفلوات الخالية والمفاوز المهلكة ؟ قلنا إنها مساكن للوحوش ومرعاها ، ثم إنها مساكن للناس إذا احتاجوا إليها ، فلهذه البركات قال تعالى : * ( وفي الأرض آيات للموقنين ) * ( الذاريات : 20 ) وهذه الآيات وإن كانت حاصلة لغير الموقنين لكن لما لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آيات للموقنين تشريفاً لهم كما قال : * ( هدى للمتقين ) * وسادسها : أنه سبحانه وتعالى خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال : * ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ) * ( طه : 55 ) ولم يخلق من السماوات شيئاً لأنه قال : * ( وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً ) * ( الأنبياء : 32 ) . وسابعها : أن الله تعالى أكرم نبيه بها فجعل الأرض كلها مساجد له وجعل ترابها طهوراً . أما قوله : * ( السماء بناء ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في مواضع ، ولا شك أن إكثار ذكر الله تعالى من ذكر السماوات والأرض يدل على عظم شأنهما ، وعلى أن له سبحانه وتعالى فيهما أسراراً عظيمة ، وحكماً بالغة لا يصل إليها أفهام الخلق ولا عقولهم . المسألة الثانية : في فضائل السماء وهي من وجوه : الأول : أن الله تعالى زينها بسبعة أشياء بالمصابيح * ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) * ( الملك : 5 ) وبالقمر * ( وجعل القمر فيهن نورا ) * وبالشمس * ( وجعل الشمس سراجاً ) * ( نوج : 16 ) وبالعرش * ( رب العرش العظيم ) * ( التوبة : 29 ) وبالكرسي * ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) * ( البقرة : 255 ) وباللوح * ( في لوح محفوظ ) * ( البروج : 22 ) وبالقلم * ( نون والقلم ) * ( القلم : 1 ) فهذه سبعة : ثلاثة منها ظاهرة ، وأربعة خفية : ثبتت بالدلائل السمعية من الآيات والأخبار . الثاني : أنه تعالى سمى السماوات بأسماء تدل على عظم شأنها : سماء ، وسقفاً محفوظاً ، وسبعاً طباقاً ، وسبعاً شداداً . ثم ذكر عاقبة أمرها فقال : * ( وإذا السماء فرجت ) * ( المرسلات : 9 ) ، * ( وإذا السماء كشطت ) * ( التكوير : 11 ) ، * ( يوم نطوي السماء ) * ( الأنبياء : 104 ) ، * ( يوم تكون السماء كالمهل ) * ( المعارج : 8 ) ، * ( يوم تمور السماء موراً ) * ( الطور : 9 ) ، * ( فكانت وردة كالدهان ) * ( الرحمن : 37 ) وذكر مبدأها في آيتين فقال : * ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) * ( فصلت : 11 ) وقال : * ( أو لم يرَ الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما ) * ( الأنبياء : 30 ) فهذا الاستقصاء الشديد في كيفية حدوثهما وفنائهما يدل على أنه سبحانه خلقهما لحكمة بالغة على ما قال : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا ) * ( ص : 27 ) ، والثالث : أنه تعالى جعل السماء قبلة الدعاء : فالأيدي ترفع إليها ، والوجوه تتوجه نحوها ، وهي منزل الأنوار ومحل الصفاء والأضواء والطهارة والعصمة عن الخلل والفساد . الرابع : قال بعضهم السماوات والأرضون على صفتين ، فالسماوات مؤثرة غير متأثرة . والأرضون متأثرة غير مؤثرة