فخر الدين الرازي

85

تفسير الرازي

واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذكرهم بأيام الله تعالى ، حكى عن موسى عليه السلام أنه ذكرهم بها فقال : * ( وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ) * فقوله : * ( إذ أنجاكم ) * ظرف للنعمة بمعنى الأنعام ، أي اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك الوقت . بقي في الآية سؤالات : السؤال الأول : ذكر في سورة البقرة : * ( يذبحون ) * ( البقرة : 49 ) وفي سورة الأعراف : * ( يقتلون ) * ( الأعراف : 41 ) وههنا * ( ويذبحون ) * مع الواو فما الفرق ؟ والجواب : قال تعالى في سورة البقرة : * ( يذبحون ) * بغير واو لأنه تفسير لقوله : * ( سوء العذاب ) * وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول : أتاني القوم زيد وعمرو . لأنك أردت أن تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى : * ( ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له العذاب ) * ( الفرقان : 68 ، 69 ) فالآثام لما صار مفسراً بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو ، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه ، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضاً فقوله : * ( ويذبحون ) * نوع آخر من العذاب لا أنه تفسير لما قبله . السؤال الثاني : كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أن تمكين الله إياهم حتى فعلوا ما فعلوا كان بلاء من الله . والثاني : وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء ، وهو بلاء عظيم ، والبلاء هو الابتلاء ، وذلك قد يكون بالنعمة تارة ، وبالمحنة أخرى ، قال تعالى : * ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) * ( الأنبياء : 35 ) وهذا الوجه أولى لأنه يوافق صدر الآية وهو قوله تعالى : * ( وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم ) * . السؤال الثالث : هب أن تذبيح الأبناء كان بلاء ، أما استحياء النساء كيف يكون بلاء . الجواب : كانوا يستخدمونهن بالاستحياء في الخلاص منه نعمة ، وأيضاً إبقاؤهن منفردات عن الرجال فيه أعظم المضار . * ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ ) * اعلم أن قوله : * ( وإذ تأذن ربكم ) * من جملة ما قال موسى لقومه كأنه قيل : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم ، ومعنى * ( تأذن ) * أذن ربكم . ونظير تأذن وآذن توعد وأوعد وتفضل وأفضل ، ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل ، كأنه قيل : وإذ آذن ربكم إيذاناً بليغاً ينتفي عنده الشكوك ، وتنزاح الشبهة ، والمعنى : وإذ تأذن ربكم . فقال : * ( لئن شكرتم ) *