فخر الدين الرازي

61

تفسير الرازي

يبطل قول نفاة التكليف ، ويبطل القول بالجبر المحض . وخامسها : قوله : * ( ولا أشرك به ) * وهذا يدل على نفي الشركاء والأنداد والأضداد بالكلية ، ويدخل فيه إبطال قول كل من أثبت معبوداً سوى الله تعالى سواء قال : إن ذلك المعبود هو الشمس أو القمر أو الكواكب أو الأصنام والأوثان والأرواح العلوية أو يزدان وأهرمن على ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما يقوله الثنوية . وسادسها : قوله : * ( إليه ادعوا ) * والمراد منه أنه كما وجب عليه الإتيان بهذه العبادات فكذلك يجب عليه الدعوة إلى عبودية الله تعالى وهو إشارة إلى نبوته . وسابعها : قوله : * ( وإليه مآب ) * وهو إشارة إلى الحشر والنشر والبعث والقيامة فإذا تأمل الإنسان في هذه الألفاظ القليلة ووقف عليها عرف أنها محتوية على جميع المطالب المعتبرة في الدين . * ( وَكَذلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ تَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ وَاقٍ ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى شبه إنزاله حكماً عربياً بما أنزل إلى ما تقدم من الأنبياء ، أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم ، كذلك أنزلنا عليك القرآن . والكناية في قوله : * ( أنزلناه ) * تعود إلى " ما " في قوله : * ( يفرحون بما أنزل إليك ) * يعني القرآن . المسألة الثانية : قوله : * ( أنزلناه حكماً عربياً ) * فيه وجوه : الأول : حكمة عربية مترجمة بلسان العرب . الثاني : القرآن مشتمل على جميع أقسام التكاليف ، فالحكم لا يمكن إلا بالقرآن ، فلما كان القرآن سبباً للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة . الثالث : أنه تعالى حكم على جميع المكلفين بقبول القرآن والعمل به فلما حكم على الخلق بوجوب قبوله جعله حكماً . واعلم أن قوله : * ( حكماً عربياً ) * نصب على الحال ، والمعنى : أنزلناه حال كونه حكماً عربياً . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه : الأول : أنه تعالى وصفه بكونه منزلاً وذلك لا يليق إلا بالمحدث . الثاني : أنه وصفه بكونه عربياً والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان كذلك كان محدثاً . الثالث : أن الآية دالة على أنه إنما