فخر الدين الرازي

54

تفسير الرازي

ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف على مشيئته الالجاء ، وتارة يحلمون الهداية على الهداية إلى طريق الجنة ، وفيهم من يجرى الكلام على الظاهر ، ويقول إنه تعالى ما شاء الله هداية جميع الناس لأنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين فلا يكون شائيا لهداية جميع الناس . والكلام في هذه المسألة قد سبق مرارا . أما قوله تعالى ( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم ) ففيه مسألتان : ( المسألة الأولى ) قوله ( الذين كفروا ) فيه قولان : ( القول الأول ) قيل : أراد به جميع الكفار لان الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من القتل والسبي أوجب حصول الغم في قلب الكل ، وقيل : أراد بعض الكفار وهم جماعة معينون والألف واللام في لفظ الكفار للمعود السابق وهو ذلك الجمع المعين . ( المسألة الثانية ) في الآية وجهان : الأول : ولا يزال كفروا تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم قارعة داهية بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم ، أو تحل القارعة قريبا منهم ، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها ويتعدى إليهم شرورها حتى يأتي وعد الله وهو موتهم أو القيامة . ( والقول الثاني ) ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعة ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم ، أو تحل أنت يا محمد قريبان من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة ، وكان الله قد وعده ذلك . ثم قال ( إن الله لا يخلف الميعاد ) والغرض منه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه . قال القاضي : وهذا يدل على بطلان قول من يجوز الخلف على الله تعالى ميعاده ، وهذه الآية وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، إذ بعمومه يتناول وكل وعيد ورد في حق الفساق . وجوابنا : أن الخلف غير ، وتخصيص العموم غير ، ونحن لا نقول بالخلف ، ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو . قوله تعالى ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان