فخر الدين الرازي

49

تفسير الرازي

الذين آمنوا وعلموا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ( 29 ) والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب ، لأنه يستحقه على إيمانه ، وذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب ، لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا . هذا تمام كلام أبى على وقوله ( أناب ) أي أقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير . قوله تعالى ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) اعلم أن قوله ( الذين آمنوا ) بدل من قوله ( من أناب ) قال ابن عباس : يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت . فان قيل : أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) والوجل ضد الاطمئنان ، فكيف وصفهم ههنا بالاطمئنان ؟ والجواب من وجوه : الأول : أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن يقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل ، وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة ، سكنت قلوبهم إلى ذلك ، وأحد الامرين لا ينافي الآخر ، لان الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب ، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي ، وتوحيد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات . الثاني : أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا حقا من عند الله . أما شكهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم ، الثالث أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما أخبر عنه ، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا ، وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا . واعلم أن لنا في قوله ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) أبحاثا دقيقة غامضة وهي من وجوه : ( الوجه الأول ) أن الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثر لا يتأثر : لا يؤثر ، وموجود يؤثر في شئ ويتأثر عن شئ فالمؤثر الذي لا يتأثر هو الله سبحانه وتعالى ، والمتأثر الذي لا يؤثر هو الجسم ، فإنه ذات قابلة للصفات المختلفة والآثار المتنافية ، وليس له خاصية إلا القبول فقط . وأما الموجود الذي يؤثر تارة ويتأثر أخرى ، فهي الموجودات الروحانية . وذلك لأنها إذا توجهت إلي الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة الله تعالى وقدرته وتكوينه وإيجاده . وإذا توجهت إلى عالم