فخر الدين الرازي

47

تفسير الرازي

* ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا فِى الاَْخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ) * لأنه تعالى قد يؤكد إليك العهد بدلائل أخرى سواء كانت تلك المؤكدة دلائل عقيلة أو سميعة . ثم قال تعالى ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) وذلك في مقابلة قوله ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل ، والمراد به قطع كل ما أوجب الله وصله ويدخل فيه وصل الرسول بالموالاة والمعاونة ووصل المؤمنين ، ووصل الأرحام ، ووصل سائر من له حق ، ثم قال ( ويفسدون في الأرض ) وذلك الفساد هو الدعاء إلى غير دين الله وقد يكون بالظلم في النفوس والأموال وتخريب البلاد ، ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الصفات قال ( أولئك لهم اللعنة ) واللعنة من الله الابعاد من خيري الدنيا والآخرة إلى ضدهما من عذاب ونقمة ( ولهم سوء الدار ) لان المراد جهنم ، وليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها . قوله تعالى ( الله يسبط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) . اعلم أنه تعالى لما حكم على من نقض عهد الله في قبول التوحيد والنبوة بأنهم ملعونون في الدنيا ومعذبون في الآخرة فكأنه قيل : لو كانوا أعداء الله لما فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا ، فأجاب الله تعالى عنه بهذه الآية وهو أنه يبسط الرزق على البعض ويضيقه على البعض ولا تعلق له بالكفر والإيمان ، فقد يوجد الكافر موسعاً عليه دون المؤمن ، ويوجد المؤمن مضيقاً عليه دون الكافر ، فالدنيا دار امتحان . قال الواحدي : معنى القدر في اللغة قطع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان . وقال المفسرون : معنى ( يقدر ) ههنا يضيق ، ومثله قوله تعالى : * ( ومن قدر عليه رزقه ) * ( الطلاق : 7 ) أي ضيق ، ومعناه : أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء . وأما قوله : * ( وفرحوا بالحياة الدنيا ) * فهو راجع إلى من بسط الله له رزقه ، وبين تعالى أن ذلك لا يوجب الفرح ، لأن الحياة العاجلة بالنسبة إلى الآخرة كالحقير القليل بالنسبة إلى ما لا نهاية له .