فخر الدين الرازي
33
تفسير الرازي
قلنا : حاصله يرجع إلى أنه لما حصل المدح والذم وجب أن يكون العبد مستقلاً بالفعل ، وهو منقوض ، لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه عالم منه أنه يموت على الكفر ، وقد ذكرنا أن خلاف المعلوم محال الوقوع ، فهذا تقرير هذا الوجه في هذه الآية . وأما الوجه الثاني : في التمسك بهذه الآية قوله : * ( قل الله خالق كل شيء ) * ولا شك أن فعل العبد شيء فوجب أن يكون خالقه هو الله وسؤالهم عليه ما تقدم . والوجه الثالث : في التمسك بهذه الآية وقوله : * ( وهو الواحد القهار ) * وليس يقال فيه أنه تعالى واحد في أي المعاني ، ولما كان المذكور السابق هو الخالقية وجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية ، القهار لكل ما سواه ، وحينئذ يكون دليلاً أيضاً على صحة قولنا . المسألة الثانية : زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء . اعلم أن هذا النزاع ليس إلا في اللفظ وهو أن هذا الاسم هل يقع عليه أم لا ، وزعم أنه لا يقع هذا الاسم على الله تعالى واحتج عليه بأنه لو كان شيئاً لوجب كونه خالقاً لنفسه ، لقوله تعالى : * ( الله خالق كل شيء ) * ولما كان ذلك محالاً ، وجب أن لا يقع عليه اسم الشيء ، ولا يقال : هذا عام دخله التخصيص ، لأن العام المخصوص إنما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي وأخس منه كما إذا قال : أكلت هذ الرمانة مع أنه سقطت منها حبات ما أكلها ، وههنا ذات الله تعالى أعلى الموجودات وأشرفها ، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصاً في حقه ؟ والحجة الثانية : تمسك بقوله تعالى : * ( ليس كمثله شيء ) * ( الشورى : 11 ) والمعنى : ليس مثل مثله شيء ، ومعلوم أن كل حقيقة فإنها مثل مثل نفسها ، فالباري تعالى مثل مثل نفسه ، مع أنه تعالى نبه على أن مثل مثله ليس بشيء ، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيء . والحجة الثالثة : قوله تعالى : * ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) * ( الأعراف : 180 ) دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى ، ولفظ الشيء يتناول أخس الموجودات ، فلا يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن ، فوجب أن لا يكون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى ، فوجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا اللفظ ، والأصحاب تمسكوا في إطلاق هذا الاسم عليه تعالى بقوله : * ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ) * ( الأنعام : 19 ) . وأجاب الخصم عنه : بأن قوله : * ( قل أي شيء أكبر شهادة ) * سؤال متروك الجواب ، وقوله : * ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) * كلام مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله . المسألة الثالثة : تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة .