فخر الدين الرازي
26
تفسير الرازي
بملك فيه قولان : أحدهما : أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة ، فقال : * ( والملائكة من خيفته ) * والمعطوف عليه مغاير للمعطوف . والثاني : وهو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وإنما إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله : * ( وملائكته ورسله وجبريل وميكايل ) * ( البقرة : 98 ) وفي قوله : * ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك من نوح ) * ( الأحزاب : 70 ) . القول الثاني : أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص ، ومع ذلك فإن الرعد يسبح الله سبحانه ، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى ، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلاً على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان ، كان ذلك في الحقيقة تسبيحاً ، وهو معنى قوله تعالى : * ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) * ( الإسراء : 44 ) . القول الثالث : أن المراد من كون الرعد مسبحاً أن من يسمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى ، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه . القول الرابع : من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات أفئدتهم ، والمطر بكاؤهم . فإن قيل : وما حقيقة الرعد ؟ قلنا : استقصينا القول في سورة " البقرة " في قوله : * ( فيه ظلمات ورعد وبرق ) * ( البقرة : 19 ) . أما قوله : * ( والملائكة من خيفته ) * فاعلم أن من المفسرين من يقول : عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد ، فإنه سبحانه جعل له أعواناً ، ومعنى قوله : * ( والملائكة من خيفته ) * أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم ، فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء . واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية ، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ، وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية ، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح الله ، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء ، فكيف يليق بالعاقل الإنكار ؟ النوع الرابع : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله : * ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) * واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة . قال المفسرون : نزلت هذه الآية في عامر