فخر الدين الرازي

233

تفسير الرازي

واعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر ، وأما أن المطر نازل من السحاب أو من السماء فقد ذكرناه في هذا الكتاب مراراً ، والحاصل : أن ماء المطر قسمان : أحدهما : هو الذي جعله الله تعالى شراباً لنا ولكل حي ، وهو المراد بقوله : * ( لكم منه شراب ) * وقد بين الله تعالى في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال : * ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) * ( الأنبياء : 30 ) . فإن قيل : أفتقولون إن شرب الخلق ليس إلا من المطر ، أو تقولون قد يكون منه وقد يكون من غيره ، وهو الماء الموجود في قعر الأرض ؟ أجاب القاضي : بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا ولم ينف أن نشرب من غيره . ولقائل أن يقول : ظاهر الآية يدل على الحصر ، لأن قوله : * ( لكم منه شراب ) * يفيد الحصر لأن معناه منه لا من غيره . إذا ثبت هذا فنقول : لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر يسكن هناك ، والدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين : * ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ) * ( المؤمنون : 18 ) ولا يمتنع أيضاً في غير العذب وهو البحر أن يكون من جملة ماء المطر ، والقسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سبباً لتكوين النبات وإليه الإشارة بقوله : * ( ومنه شجر فيه تسيمون ) * إلى آخر الآية ، وفيه مباحث : البحث الأول : ظاهر هذه الآية يقتضي أن أسامة الشجر ممكنة ، وهذا إنما يصح لو كان المراد من الشجر الكلأ والعشب ، وههنا قولان : القول الأول : قال الزجاج : كل ما ثبت على الأرض فهو شجر وأنشد : يطعمها اللحم إذا عز الشجر يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض ، وقال ابن قتيبة في هذه الآية المراد من الشجر الكلأ ، وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ . ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : * ( والنجم والشجر يسجدان ) * ( الرحمن : 6 ) والمراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق ، ومن الشجر ما له ساق ، هكذا قال المفسرون ، وبالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضاً فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط ، يقال : تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت وقال تعالى : * ( حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) * ( النساء : 65 ) ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ ، فوجب جواز إطلاق لفظ الشجر عليه . القول الثاني : أن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول .