فخر الدين الرازي
24
تفسير الرازي
المسألة الثانية : في كون البرق خوفاً وطمعاً وجوه . الأول : أن عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث قال المتنبي : فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى * يرجى الحيا منها ويخشى الصواعق الثاني : أنه يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع فيه من له فيه نفع . الثالث : أن كل شيء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم ، وشر بالنسبة إلى آخرين ، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه ، وشر في حق من يضره ذلك ، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان . المسألة الثالثة : اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله تعالى وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب في أجزاء رطبة مائية ، ومن أجزاء هوائية ونارية ولا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية والماء جسم بارد رطب ، والنار جسم يابس وظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل فلا بد من صانع مختار يظهر الضد من الضد . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه ، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقاً عنيفاً فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة ، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق ؟ والجواب : أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول وبيانه من وجوه . الأول : أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال : أينما يحصل البرق فلا بد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك فإنه كثيراً ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد . الثاني : أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة للطبيعة المائية الموجبة للبرد ، وعند حصول هذا العارض القوي كيف تحدث النارية ؟ بل نقول : النيران العظيمة تنطفئ بصب الماء عليها ، والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية ؟ الثالث : من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة ، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة بأجزاء السحاب لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر ؟ فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف وأن حدوث النار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصاً لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم . النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : * ( وينشئ السحاب الثقال ) * قال صاحب " الكشاف " : السحاب اسم جنس والواحدة سحابة والثقال جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام وهي الثقال بالماء .