فخر الدين الرازي

203

تفسير الرازي

بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ) * ( الأحزاب : 6 ) وفي قراءة أبي وهو أب لهم ، والكلام في هذه المباحث قد مر بالاستقصاء في سورة هود عليه السلام . أما قوله : * ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : العمر والعمر واحد وسمي الرجل عمراً تفاؤلاً أن يبقى ومنه قول ابن أحمر : ذهب الشباب وأخلق العمر وعمر الرجل يعمر عمراً وعمرا ، فإذا أقسموا به قالوا : لعمرك وعمرك فتحوا العين لا غير . قال الزجاج : لأن الفتح أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ولعمرك فالتزموا الأخف . المسألة الثانية : في قوله : * ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) * قولان : الأول : أن المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام : * ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) * أي في غوايتهم يعمهون ، أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك ، ويلتفتون إلى نصيحتك . والثاني : أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد ، وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى قال النحويون : ارتفع قوله : * ( لعمرك ) * بالابتداء والخبر محذوف ، والمعنى : لعمرك قسمي وحذف الخبر ، لأن في الكلام دليلاً عليه وباب القسم يحذف منه الفعل نحو : بالله لأفعلن ، والمعنى : أحلف بالله فيحذف لعلم المخاطب بأنك حالف . ثم قالت عالي : * ( فأخذتهم الصيحة ) * أي صيحة جبريل عليه السلام قال أهل المعاني : ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به ، وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله : * ( مشرقين ) * يقال شرق الشارق يشرق شروقاً لكل ما طلع من جانب الشرق ، ومنه قولهم ما ذر شارق أي طلع طالع فقوله : * ( مشرقين ) * أي داخلين في الشروق يقال أشرق الرجل إذا دخل في الشروق ، وهو بزوغ الشمس . واعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب : أحدها : الصيحة الهائلة المنكرة . وثانيها : أنه جعل عاليها سافلها . وثالثها : أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل ، وكل هذه الأحوال قد مر تفسيرها في سورة هود . ثم قال تعالى : * ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) * يقال توسمت في فلان خيراً أي رأيت فيه أثراً منه وتفرسته فيه ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين قيل : المتفرسين ، وقيل : الناظرين ، وقيل : المتفكرين ، وقيل : المعتبرين ، وقيل : المتبصرين . قال الزجاج : حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته ، والمتوسم الناظر في السمة الدالة تقول : توسمت