فخر الدين الرازي

199

تفسير الرازي

ولو كان تمام المقصود من المجيء هو ذكر تلك البشارة لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة ، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا الطريق أنه ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض فقال : * ( فما خطبكم أيها المرسلون ) * . ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا : * ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) * وإنما اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لإهلاكهم واستئصالهم وأيضاً فقولهم : * ( إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ) * يدل على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم . أما قوله تعالى : * ( إلا آل لوط ) * فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا على دينه . فإن قيل : قوله : * ( إلا آل لوط ) * هل هو استثناء منقطع أو متصل ؟ قلنا : قال صاحب " الكشاف " : إن كان هذا الاستثناء استثناء من ( قوم ) كان منقطعاً ، لأن القوم موصوفون بكونهم مجرمين وآل لوط ما كانوا مجرمين ، فاختلف الجنسان ، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعاً . وإن كان استثناء من الضمير في ( مجرمين ) كان متصلاً كأنه قيل : إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم كما قال : * ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) * ( الذاريات : 36 ) ثم قال صاحب " الكشاف " : ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين ، وذلك لأن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال ، لأن على هذا التقدير الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة وما أرسلوا إلى آل لوط أصلاً ، وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء ، وأما قوله : * ( إنا لمنجوهم أجمعين ) * فاعلم أنه قرأ حمزة والكسائي * ( منجوهم ) * خفيفة ، والباقون مشددة وهما لغتان . أما قوله تعالى : * ( إلا امرأته ) * قال صاحب " الكشاف " : هذا استثناء من الضمير المجرور في قوله : * ( لمنجوهم ) * وليس ذلك من باب الاستثناء من الاستثناء ، لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه ، كما لو قيل : أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته ، وكما لو قال : المطلق لامرأته أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين إلا واحدة ، وكما إذا قال : المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهماً ، فأما في هذه الآية فقد اختلف الحكمان ، لأن قوله : * ( إلا آل لوط ) * متعلق بقوله : * ( أرسلنا ) * أو بقوله * ( مجرمين ) * وقوله : * ( إلا امرأته ) * قد تعلق بقوله : * ( منجوهم ) * فكيف يكون هذا استثناء من استثناء . وأما قوله : * ( قدرنا إنها لمن الغابرين ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن معنى التقدير في اللغة : جعل الشيء على مقدار غيره . يقال : قدر هذا الشيء بهذا أي اجعله على مقداره ، وقدر الله تعالى الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية ، ثم يفسر التقدير بالقضاء ، فقال : قضى الله عليه كذا ، وقدره عليه أي جعله على مقدار ما يكفي