فخر الدين الرازي
192
تفسير الرازي
لكل من اتقى عن شيء واحد ، إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم ، وأيضاً فإن هذه الآية وردت عقيب قول إبليس : * ( إلا عبادك منهم المخلصين ) * ( الحجر : 40 ) وعقيب قول الله تعالى : * ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) * ( الحجر : 42 ) فلأجل هذه الدلائل اعتبرنا الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيد فيه قيد آخر ، لأن تخصيص العام لما كان بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل والظاهر ، فثبت أن قوله : * ( إن المتقين في جنات وعيون ) * يتناول جميع القائلين بلا إله إلا الله محمد رسول الله قولاً واعتقاداً سواء كانوا من أهل الطاعة أو من أهل المعصية وهذا تقرير بين ، وكلام ظاهر . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( في جنات وعيون ) * أما الجنات فأربعة لقوله تعالى : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * ( الرحمن : 46 ) ثم قال : * ( ومن دونهما جنتان ) * ( الرحمن : 46 ) فيكون المجموع أربعة وقوله : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * يؤكد ما قلناه ، لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه عن الخوف من الله تعالى وقوله : * ( ولمن خاف ) * يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة ، وأما العيون فيحتمل أن يكون المراد منها ما ذكر الله تعالى في قوله : * ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ) * ( محمد : 15 ) ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار . فإن قيل : أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون ، أو تجري تلك العيون من بعض إلى بعض قيل : لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين وينتفع به كل من في خدمته من الحور والولدان ، ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهواتهم ، ويحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد وقوله : * ( ادخلوها بسلام آمنين ) * يحتمل أن القائل لقوله : * ( ادخلوها ) * هو الله تعالى وأن يكون ذلك القائل بعض ملائكته ، وفيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون ، وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم : * ( ادخلوها ) * . والجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها : * ( ادخلوها بسلام ) * . الثاني : لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله : * ( ادخلوها بسلام آمنين ) * المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة ، والأمن من زوالها . ثم قال تعالى : * ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) * والغل الحقد الكامن في القلب وهو مأخوذ