فخر الدين الرازي

190

تفسير الرازي

إبليس باختياره صار متبعاً له ، ولكن حصول تلك المتابعة أيضاً ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول : أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطاناً ، فبين تعالى كذبه فيه ، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً ، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال : * ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) * ( إبراهيم : 22 ) وقال تعالى في آية أخرى : * ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ) * ( النحل : 99 ، 100 ) قال الجبائي : هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة ، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه ، وفي الآية قول آخر ، وهو أن إبليس لما قال : * ( إلا عبادك منهم المخلصين ) * ( الحجر : 40 ) فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال : * ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) * فلهذا قال الكلبي : العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس . واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله : * ( إلا من اتبعك ) * استثناء ، لأن المعنى : أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطاناً بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي . وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء ، بل تكون لفظة ( إلا ) بمعنى لكن ، وقوله : * ( إن جهنم لموعدهم أجمعين ) * قال ابن عباس : يريد إبليس وأشياعه ، ومن اتبعه من الغاوين . ثم قال تعالى : * ( لها سبعة أبواب ) * وفيه قولان : القول الأول : إنها سبع طبقات : بعضها فوق البعض وتسمى تلك الطبقات بالدركات ، ويدل على كونها كذلك قوله تعالى : * ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) * ( النساء : 145 ) . والقول الثاني : إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام : ولكل قسم باب ، وعن ابن جريج : أولها : جهنم . ثم لظى . ثم الحطمة . ثم السعير . ثم سقر . ثم الجحيم . ثم الهاوية . قال الضحاك : الطبقة الأولى : فيها أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون . والثانية : لليهود . والثالثة : للنصارى . والرابعة : للصابئين . والخامسة : للمجوس . والسادسة : للمشركين . والسابعة : للمنافقين . وقوله : * ( لكل باب منهم جزء مقسوم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : * ( جزء مقسوم ) * والباقون ( جز ) بتخفيف الزاي . وقرأ الزهري : ( جز ) بالتشديد ، كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي ، كقولك : خب