فخر الدين الرازي

180

تفسير الرازي

صلصالاً ، وبين كونه حمأ مسنوناً تفاوت ، وأما الحمأ فقال الليث الحمأة بوزن فعلة ، والجمع الحمأ وهو الطين الأسود المنتن . وقال أبو عبيدة والأكثرون حماة بوزن كمأة وقوله : * ( مسنون ) * فيه أقوال : الأول : قال ابن السكيت سمعت أبا عمر يقول في قوله : * ( مسنون ) * أي متغير قال أبو الهيثم يقال سن الماء ، فهو مسنون أي تغير . والدليل عليه قوله تعالى : * ( لم يتسنه ) * ( البقرة : 259 ) أي لم يتغير . الثاني : المسنون المحكوك وهو مأخوذ من سننت الحجر إذا حككته عليه ، والذي يخرج من بينهما يقال له السنن وسمي المسن مسناً لأن الحديد يسن عليه . والثالث : قال الزجاج : هذا اللفظ مأخوذ من أي موضوع على سنن الطريق لأنه متى كان كذلك فقد تغير . الرابع : قال أبو عبيدة : المسنون المصبوب ، والسن والصب يقال سن الماء على وجهه سناً . الخامس : قال سيبويه : المسنون المصور على صورة ومثال ، من سنة الوجه وهي صورته ، السادس : روي عن ابن عباس أنه قال : المسنون الطين الرطب ، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة ، لأنه إذا كان رطباً يسيل وينبسط على الأرض ، فيكون مسنوناً بمعنى أنه مصبوب . أما قوله تعالى : * ( والجان خلقناه ) * فاختلفوا في أن الجان من هو ؟ فقال عطاء عن ابن عباس : يريد إبليس وهو قول الحسن ومقاتل وقتادة . وقال ابن عباس في رواية أخرى : الجان هو أب الجن وهو قول الأكثرين . وسمي جاناً لتواريه عن الأعين ، كما سمي الجنين جنيناً لهذا السبب ، والجنين متوارٍ في بطن أمه ، ومعنى الجان في اللغة الساتر من قولك : جن الشيء إذا ستره ، فالجان المذكور ههنا يحتمل أنه سمي جاناً لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم ، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول كما يقال في لابن وتامر وماء دافق وعيشة راضية . واختلفوا في الجن فقال بعضهم : إنهم جنس غير الشياطين والأصح أن الشياطين قسم من الجن ، فكل من كان منهم مؤمناً فإنه لا يسمى بالشيطان ، وكل من كان منهم كافراً يسمى بهذا الاسم ، والدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، فكل من كان كذلك كان من الجن ، وقوله تعالى : * ( خلقناه من قبل ) * قال ابن عباس : يريد من قبل خلق آدم ، وقوله : * ( من نار السموم ) * معنى السموم في اللغة : الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون بالليل ، وعلى هذا فالريح الحارة فيها نار ولها لفح وأوار ، على ما ورد في الخبر أنها لفح جهنم . قيل : سميت سموماً لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن ، وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان يبرز منها عرقه وبخار باطنه . قال ابن مسعود : هذه السموم جزء من سبعين جزأ من السموم التي خلق الله بها الجان وتلا هذه الآية . فإن قيل : كيف يعقل خلق الجان من النار ؟