فخر الدين الرازي
171
تفسير الرازي
في الأرض رواسي أن تميد بكم ) * ( النحل : 15 ) وفي تفسيره وجهان : الوجه الأول : قال ابن عباس : لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكيلا تميل بأهلها . فإن قيل : أتقولون إنه تعالى خلق الأرض بدون الجبال فمالت بأهلها فخلق فيها الجبال بعد ذلك أو تقولون إن الله خلق الأرض والجبال معاً . قلنا : كلا الوجهين محتمل . والوجه الثاني : في تفسير قوله : * ( وألقينا فيها رواسي ) * يجوز أن يكون المراد أنه تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال وهذا الوجه ظاهر الاحتمال . النوع الثالث : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : * ( وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ) * وفيه بحثان : البحث الأول : أن الضمير في قوله : * ( وأنبتنا فيها ) * يحتمل أن يكون راجعاً إلى الأرض وأن يكون راجعاً إلى الجبال الرواسي ، إلا أن رجوعه إلى الأرض أولى لأن أنواع النبات المنتفع بها إنما تتولد في الأراضي ، فأما الفواكه الجبلية فقليلة النفع ، ومنهم من قال : رجوع ذلك الضمير إلى الجبال أولى ، لأن المعادن إنما تتولد في الجبال ، والأشياء الموزونة في العرف والعادة هي المعادن لا النبات . البحث الثاني : اختلفوا في المراد بالموزون وفيه وجوه : الوجه الأول : أن يكون المراد أنه متقدر بقدر الحاجة . قال القاضي : وهذا الوجه أقرب لأنه تعالى يعلم المقدار الذي يحتاج إليه الناس وينتفعون به فينبت تعالى في الأرض ذلك المقدار ، ولذلك أتبعه بقوله : * ( وجعلنا لكم فيها معايش ) * لأن ذلك الرزق الذي يظهر بالنبات يكون معيشة لهم من وجهين : الأول : بحسب الأكل والانتفاع بعينه . والثاني : أن ينتفع بالتجارة فيه ، والقائلون بهذا القول قالوا : الوزن إنما يراد لمعرفة المقدار فكان إطلاق لفظ الوزن لإرادة معرفة المقدار من باب اطلاق اسم السبب على المسبب قالوا : ويتأكد ذلك أيضاً بقوله تعالى : * ( وكل شيء عنده بمقدار ) * ( الرعد : 8 ) وقوله : * ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) * ( الحجر : 21 ) . والوجه الثاني : في تفسير هذا اللفظ أن هذا العالم عالم الأسباب والله تعالى إنما يخلق المعادن والنبات والحيوان بواسطة تركيب طبائع هذا العالم ، فلا بد وأن يحصل من الأرض قدر مخصوص