فخر الدين الرازي

162

تفسير الرازي

أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء هكذا كانت . ولك أسوة في الصبر على سفاهتهم وجهالتهم بجميع الأنبياء عليهم السلام ، فهذا هو الكلام في نظم الآية وفيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية محذوف والتقدير : ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه . وقوله : * ( في شيع الأولين ) * أي في أمم الأولين وأتباعهم . قال الفراء : الشيع الأتباع واحدهم شيعة وشيعة الرجل أتباعه ، والشيعة الأمة سموا بذلك ، لأن بعضهم شايع بعضاً وشاكله ، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله : * ( أو يلبسكم شيعاً ) * ( الأنعام : 65 ) قال الفراء : وقوله : * ( في شيع الأولين ) * من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله : * ( لحق اليقين ) * ( الحاقة : 51 ) وقوله : * ( بجانب الغربي ) * ( القصص : 44 ) وقوله : * ( وذلك دين القيمة ) * ( البينة : 5 ) أما قوله : * ( وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون ) * أي عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء والرسل ذلك الاستهزاء بهم كما فعلوا بك ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . واعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة أمور . الأول : أنهم يستثقلون التزام الطاعات والعبادات والاحتراز عن الطيبات واللذات . والثاني : أن الرسول يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من أديانهم الخبيثة ومذاهبهم الباطلة ، وذلك شاق شديد على الطباع . والثالث : أن الرسول متبوع مخدوم والأقوام يجب عليهم طاعته وخدمته وذلك أيضاً في غاية المشقة . والرابع : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون فقيراً ولا يكون له أعوان وأنصار ولا مال ولا جاه فالمتنعمون والرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه الصفة . والخامس : خذلان الله لهم وإلقاء دواعي الكفر والجهل في قلوبهم ، وهذا هو السبب الأصلي ؛ فلهذه الأسباب وما يشبهها تقع الجهال والضلال مع أكابر الأنبياء عليهم السلام في هذه الأعمال القبيحة والأفعال المنكرة . أما قوله تعالى : * ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : السلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط والرمح في المطعون ، وقيل : في قوله : * ( ما سلككم في سفر ) * ( المدثر : 42 ) أي أدخلكم في جهنم . وذكر أبو عبيدة وأبو عبيد : سلكته وأسلكته بمعنى واحد . المسألة الثانية ؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار ، فقالوا : قوله * ( كذلك نسلكه ) * أي كذلك نسلك الباطل والضلال في قلوب المجرمين ، قالت المعتزلة : لم يجر للضلال والكفر ذكر فيما قبل هذا اللفظ ، فلا يمكن أن يكون الضمير عائداً إليه لا يقال : إنه تعالى قال : * ( وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) * وقوله : * ( يستهزئون ) * يدل على الاستهزاء ، فالضمير في قوله : * ( كذلك نسلكه ) * عائد إليه ، والاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال ،