فخر الدين الرازي
158
تفسير الرازي
الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) * اعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعده شبههم في إنكار نبوته . فالشبهة الأولى : أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون ، وفيه احتمالات : الأول : أنه عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون ، والدليل عليه قوله : * ( ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين ) * ( القلم : 51 ، 52 ) وأيضاً قوله : * ( أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ) * ( الأعراف : 184 ) . والثاني : أنم كانوا يستبعدون كونه رسولاً حقاً من عند الله تعالى ، فالرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره فربما قال له هذا جنون وأنت مجنون لبعد ما يذكره من طريقة العقل ، وقوله : * ( إنك لمجنون ) * في هذه الآية يحتمل الوجهين . أما قوله : * ( يا أيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) * ففيه وجهان : الأول : أنهم ذكروه على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون : * ( إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ) * ( الشعراء : 27 ) وكما قال قوم شعيب : * ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) * ( هود : 87 ) وكما قال تعالى : * ( فبشرهم بعذاب أليم ) * ( آل عمران : 21 ) لأن البشارة بالعذاب ممتنعة . والثاني : * ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر ) * في زعمه واعتقاده ، وعند أصحابه وأتباعه . ثم حكى عنهم أنهم قالوا في تقرير شبههم : * ( لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد لو كنت صادقاً في ادعاء النبوة لأتيتنا بالملائكة يشهدون عندنا بصدقك فيما تدعيه من الرسالة ، لأن المرسل الحكيم إذا حاول تحصيل أمر ، وله طريق يفضي إلى تحصيل ذلك المقصود قطعاً ، وطريق آخر قد يفضي وقد لا يفضي ، ويكون في محل الشكوك والشبهات ، فإن كان ذلك الحكيم أراد تحصيل ذلك المقصود ، فإنه يحاول تحصيله بالطريق الأول لا بالطريق الثاني ، وإنزال الملائكة الذين يصدقونك ، ويقررون قولك طريق يفضي إلى حصول هذا المقصود قطعاً ، والطريق الذي تقرر به صحة نبوتك طريق في محل الشكوك والشبهات ، فلو كنت صادقاً في ادعاء النبوة لوجب في حكمة الله تعالى إنزال الملائكة الذين يصرحون بتصديقك وحيث لم تفعل ذلك علمنا أنك لست من النبوة في شيء ، فهذا تقرير هذه الشبهة ، ونظيرها قوله تعالى في سورة الأنعام : * ( وقالوا لولا أنزل عليك ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر ) * ( الأنعام : 8 ) وفيه احتمال آخر : وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول العذاب إن لم يؤمنوا به ، فالقوم طالبوه بنزول العذاب وقالوا له : * ( لو ما تأتينا بالملائكة ) * الذين ينزلون عليك ينزلون علينا بذلك العذاب