فخر الدين الرازي
149
تفسير الرازي
بعضهم * ( من قطران ) * والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره . قال أبو بكر بن الأنباري : وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم . الصفة الثالثة : قوله تعالى : * ( وتغشى وجوههم النار ) * ونظيره قوله تعالى : * ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ) * ( الزمر : 24 ) وقوله : * ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ) * ( القمر : 48 ) . واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب ، وموضع الفكر والوهم والخيال هو الرأس . وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه ، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب : * ( نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة ) * ( الهمزة : 6 ، 7 ) وقال في الوجه : * ( وتغشى وجوههم النار ) * بمعنى تتغشى ، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال : * ( ليجزي الله كل نفس ما كسبت ) * قال الواحدي : المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان ، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه ، لأن لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر والمعصية ، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور ، ولما كان كسب المؤمنين الأيمان والطاعة ، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضاً أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى . ثم قال تعالى : * ( إن الله سريع الحساب ) * والمراد أنه تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه . وحظ العقل منه أن الأخلاق الظلمانية هي المبادي لحصول الآلام الروحانية وحصول تلك الأخلاق في النفس على قدر صدور تلك الأعمال منهم في الحياة الدنيا ، فإن الملكات النفسانية إنما تحصل في جوهر النفس بسبب الأفعال المتكررة ، وعلى هذا التقدير فتلك الآلام تتفاوت بحسب تلك الأفعال في كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها وذلك يشبه الحساب . ثم قال تعالى : * ( هذا بلاغ للناس ) * أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس ، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل : إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن ، وقيل : بل إشارة إلى كل هذه السورة ، وقيل : بل إشارة إلى المذكور من قوله : * ( ولا تحسبن ) * إلى قوله : * ( سريع الحساب ) * وأما قوله : * ( ولينذروا به ) * فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا : * ( ولينذروا به ) * أي بهذا البلاغ . ثم قال : * ( وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا في هذا الكتاب مراراً أن النفس الإنسانية لها شعبتان : القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها وأنواعها حتى تصير النفس كالمرآة