فخر الدين الرازي
131
تفسير الرازي
الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها ، فحصل لك عند أخذها وصفان : وهما كونك ظلوماً كفاراً ، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفوراً رحيماً ، والمقصود كأنه يقول : إن كنت ظلوماً فأنا غفور ، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء ، ونسأل الله حسن العاقبة والرحمة . قوله تعالى * ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاَْصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه وأنه لا يجوز عبادة غيره تعالى البتة حكى عن إبراهيم عليه السلام مبالغته في إنكار عبادة الأوثان . واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أشياء : أحدها : قوله : * ( رب اجعل هذا البلد آمناً ) * والمراد : مكة آمناً ذا أمن . فإن قيل : أي فرق بين قوله : ( اجعل هذا بلداً آمناً ) وبين قوله : * ( اجعل هذا البلد آمناً ) * . قلنا : سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فلا يخافون ، وفي الثاني : أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها ، وهي الخوف ، ويحصل لها ضد تلك الصفة وهو الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمناً ، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة . وثانيها : قوله : * ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء * ( واجنبني ) * وفيه ثلاث لغات جنبه واجنبه وجنبه . قال الفراء : أهل الحجاز يقول جنبني يجبني بالتخفيف . وأهل نجد يقولون جنبني شره وأجنبني شره ، وأصله جعل الشيء عن غيره على جانب وناحية . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : الإشكال على هذه الآية من وجوه : أحدها : أن إبراهيم عليه السلام دعا ربه أن يجعل مكة آمناً ، وما قبل الله دعاءه ، لأن جماعة خربوا الكعبة وأغاروا على