فخر الدين الرازي

12

تفسير الرازي

* ( وإن ربك لشديد العقاب ) * فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر ، وأن يحمل الثاني على أحوال الكفار . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد : لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن عقوبتهم مكفرة ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : إن ربك لذو مغفرة إذا تابوا وأنه تعالى إنما لا يعجل العقاب إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة ، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم ويكون من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة بل نقول : يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب ، فالجواب المذكور فيه يجب أن يكون محمولاً على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على السؤال ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : وإن ربك لذو مغفرة أنه تعالى إنما لا يعجل العقوبة إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة ، فإن تابوا فهو ذو مغفرة ، وإن عظم ظلمهم ولم يتوبوا فهو شديد العقاب . والجواب عن الأول أن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة ، وإلا لوجب أن يقال : الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة ، وعن الثاني : أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل . أما بأداء الواجب فلا تمدح فيه وعندكم يجب غفران الصغائر وعن الثالث : أنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم ، وبينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة ، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه . * ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) * اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر أولاً ، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانياً ، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة ثالثاً ، وهو المذكور في هذه الآية . واعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات وقالوا : هذا كتاب مثل سائر الكتب وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزة البتة ، وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام . واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد عليه الصلاة والسلام سوى القرآن . قالوا :