فخر الدين الرازي

106

تفسير الرازي

في يوم ذي عصوف ، وإن شئت قلت : في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكوراً قبل ذلك ، وقرئ في يوم عاصف بالإضافة . المسألة الرابعة : قوله : * ( لا يقدرون مما كسبوا على شيء ) * أي لا يقدرون مما كسبوا على شيء منتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك لأنه ضاع بالكلية وفسد ، وهذه الآية دالة على كون العبد مكتسباً لأفعاله . واعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال : * ( ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضائعة ، بين أن ذلك البطلان والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم بالله وإعراضهم عن العبودية فإن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء ، وكيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا لداعية الحكمة والصواب . المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : * ( خالق السماوات والأرض ) * على اسم الفاعل على أنه خبر أن والسماوات والأرض على الإضافة كقوله : * ( فاطر السماوات والأرض ) * ( إبراهيم : 10 ) . * ( فالق الإصباح ) * ( الأنعام : 95 ) . و * ( جعل الليل سكناً ) * ( الأنعام : 96 ) والباقون خلق على فعل الماضي : * ( والسماوات والأرض ) * بالنصب لأنه مفعول . المسألة الثالثة : قوله : * ( بالحق ) * نظير لقوله في سورة يونس : * ( وما خلق الله ذلك إلا بالحق ) * ( يونس : 5 ) ولقوله في آل عمران : * ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً ) * ( آل عمران : 191 ) ولقوله في ص : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ) * ( ص : 27 ) أما أهل السنة فيقولون إلا بالحق وهو دلالتهما على وجود الصانع وعلمه وقدرته ، وأما المعتزلة فيقولون : إلا بالحق ، أي لم يخلق ذلك عبثاً بل لغرض صحيح . ثم قال تعالى : * ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ) * والمعنى : أن من كان قادراً على خلق السماوات والأرض بالحق ، فبأن يقدر على إفناء قوم وإماتتهم وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى ، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن يكون قادراً على الأسهل الأضعف أولى . قال ابن عباس : هذا الخطاب مع كفار مكة ، يريد أميتكم يا معشر الكفار ، وأخلق قوماً خيراً منكم وأطوع منكم . ثم قال : * ( وما ذلك على الله بعزيز ) * أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم وإيجاده بأن يكون قادراً على إفناء أشخاص مخصوصين وإيجاده أمثالهم أولى وأحرى ، والله أعلم .