فخر الدين الرازي
103
تفسير الرازي
ويقال : الموت من وراء الإنسان . الثاني : قال ابن الأنباري " وراء " بمعنى بعد . قال الشاعر : وليس وراء الله للمرء مذهب أي وليس بعد الله مذهب . إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله : * ( وخاب كل جبار عنيد ) * . ثم قال : * ( ومن ورائه جهنم ) * أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم . النوع الثاني : مما ذكره الله تعالى من أحوال هذا الكافر قوله : * ( ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ) * وفيه سؤالات : السؤال الأول : علام عطف * ( ويسقى ) * . الجواب : على محذوف تقديره : من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد . السؤال الثاني : عذاب أهل النار من وجوه كثيرة ، فلم خص هذه الحالة بالذكر ؟ الجواب : يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله : * ( ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ) * . السؤال الثالث : ما وجه قوله : * ( من ماء صديد ) * . الجواب : أنه عطف بيان والتقدير : أنه لما قال : * ( ويسقى من ماء ) * فكأنه قيل : وما ذلك الماء فقال : * ( صديد ) * والصديد ما يسيل جلود أهل النار . وقيل : التقدير ويسقى من ماء كالصديد . وذلك بأن يخلق الله تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة ، وهو أيضاً يكون في نفسه صديداً ، لأن كراهته تصد عن تناوله وهو كقوله : * ( وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ) * ( محمد : 15 ) . * ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب ) * ( الكهف : 29 ) . السؤال الرابع : ما معنى يتجرعه ولا يكاد يسيغه . الجواب : التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار ، ويقال : ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغاً وأساغه إساغة . واعلم أن ( يكاد ) فيه قولان : القول الأول : أن نفيه إثبات ، وإثباته نفي ، فقوله : * ( ولا يكاد يسيغه ) * أي ويسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول : ما كدت أقوم ، أي قمت بعد إبطاء قال تعالى : * ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) * ( البقرة : 7 ) يعني فعلوا بعد إبطاء ، والدليل على حصول الإساغة قوله تعالى : * ( يصهر به ما في بطونهم والجلود ) * ( الحج : 20 ) ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة ، وأيضاً فإن قوله : * ( يتجرعه ) * يدل على أنهم أساغوا الشيء بعد الشيء فكيف يصح أن يقال بعده إنه يسيغه البتة .