فخر الدين الرازي
90
تفسير الرازي
والحديث هو الحادث ، وتأويلها مآلها ، ومآل الحوادث إلى قدرة الله تعالى وتكوينه وحكمته ، والمراد من تأويل الأحاديث كيفية الاستدلال بأصناف المخلوقات الروحانية والجسمانية على قدرة الله تعالى وحكمته وجلالته ، وثالثها : قوله : * ( ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ) * . واعلم أن من فسر الاجتباء بالنبوة لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة ههنا بالنبوة أيضاً وإلا لزم التكرار ، بل يفسر إتمام النعمة ههنا بسعادات الدنيا وسعادات الآخرة . أما سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع والتوسع في المال والجاه والحشم وإجلاله في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد . وأما سعادات الآخرة : فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في معرفة الله تعالى . وأما من فسر الاجتباء بنيل الدرجات العالية ، فههنا يفسر إتمام النعمة بالنبوة ويتأكد هذا بأمور : الأول : أن إتمام النعمة عبارة عما به تصير النعمة تامة كاملة خالية عن جهات النقصان . وما ذاك في حق البشر إلا بالنبوة ، فإن جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة ناقص بالنسبة إلى كمال النبوة ، فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ليس إلا النبوة ، والثاني : قوله : * ( كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق ) * ومعلوم أن النعمة التامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحق عن سائر البشر ليس إلا النبوة ، فوجب أن يكون المراد بإتمام النعمة هو النبوة . واعلم أنا لما فسرنا هذه الآية بالنبوة لزم الحكم بأن أولاد يعقوب كلهم كانوا أنبياء ، وذلك لأنه قال : * ( ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ) * وهذا يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب ، فلما كان المراد من إتمام النعمة هو النبوة لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حق من عدا أبناءه فوجب أن لا يبقى معمولاً به في حق أولاده . وأيضاً أن يوسف عليه السلام قال : * ( إني رأيت أحد عشر كوكباً ) * وكان تأويله أحد عشر نفساً لهم فضل وكمال ويستضئ بعلمهم ودينهم أهل الأرض ، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يهتدى وذلك يقتضي أن يكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلاً . فإن قيل : كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في حق يوسف عليه السلام ؟ قلنا : ذاك وقع قبل النبوة ، وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا قبلها . القول الثاني : أن المراد من قوله : * ( ويتم نعمته عليك ) * خلاصه من المحن ، ويكون وجه التشبيه في ذلك بإبراهيم وإسحق عليهما السلام هو إنعام الله تعالى على إبراهيم بإنجائه من النار وعلى ابنه إسحق بتخليصه من الذبح . والقول الثالث : أن إتمام النعمة هو وصل نعمة الله عليه في الدنيا بنعم الآخرة بأن