فخر الدين الرازي

86

تفسير الرازي

قوله تعالى * ( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لاَِبِيهِ يا أَبتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا واَلشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : تقدير الآية : أذكر * ( إذ قال يوسف ) * قال صاحب " الكشاف " : الصحيح أنه اسم عبراني ، لأنه لو كان عربياً لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف ، وقرأ بعضهم * ( يوسف ) * بكسر السين * ( ويوسف ) * بفتحها . وأيضاً روى في يونس هذه اللغات الثلاث ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام " . المسألة الثانية : قرأ ابن عامر * ( يا أبت ) * بفتح التاء في جميع القرآن ، والباقون بكسر التاء . أما الفتح فوجهه أنه كان في الأصل يا أبتاه على سبيل الندبة ، فحذفت الألف والهاء . وأما الكسر فأصله يا أبي ، فحذفت الياء واكتفى بالكسرة عنها ثم أدخل هاء الوقف فقال : * ( يا أبت ) * ثم كثر استعماله حتى صار كأنه من نفس الكلمة فأدخلوا عليه الإضافة ، وهذا قول ثعلب وابن الأنباري . واعلم أن النحويين طولوا في هذه المسألة ، ومن أراد كلامهم فليطالع " كتبهم " . المسألة الثالثة : أن يوسف عليه السلام رأى في المنام أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر سجدت له ، وكان له أحد عشر نفراً من الأخوة ، ففسر الكواكب بالأخوة ، والشمس والقمر بالأب والأم ، والسجود بتواضعهم له ودخولهم تحت أمره ، وإنما حملنا قوله : * ( إني رأيت أحد عشر كوكباً ) * على الرؤيا لوجهين : الأول : أن الكواكب لا تسجد في الحقيقة ، فوجب حمل هذا الكلام على الرؤيا . والثاني : قول يعقوب عليه السلام : * ( لا تقصص رؤياك على إخوتك ) * ( يوسف : 5 ) وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : قوله : * ( رأيتهم لي ساجدين ) * فقوله : * ( ساجدين ) * لا يليق إلا بالعقلاء ، والكواكب جمادات ، فكيف جازت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في حق الجمادات . قلنا : إن جماعة من الفلاسفة الذين يزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة احتجوا بهذه الآية ، وكذلك احتجوا بقوله تعالى : * ( وكل في فلك يسبحون ) * ( الأنبياء : 33 ) والجمع بالواو والنون مختص بالعقلاء . وقال