فخر الدين الرازي
8
تفسير الرازي
الوصول ، وأما أهل العقاب فقد قال في شرح أحوالهم * ( وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) * فحكم بأنه تعالى يعطيهم نصيباً من متاع الدنيا فدل ذلك على خساسة الدنيا ، فإنه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم يذكر البتة أنه يعطيهم الدنيا أم لا . ولما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه يعطيهم الدنيا ، وهذا تنبيه عظيم على خساسة السعادات الجسمانية والترغيب في المقامات الروحانية . قوله تعالى * ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فاَصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) * . واعلم أنه تعالى لما شرح قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال : * ( تلك ) * أي تلك الآيات التي ذكرناها ، وتلك التفاصيل التي شرحناها من أنباء الغيب ، أي من الأخبار التي كانت غائبة عن الخلق فقوله : * ( تلك ) * في محل الرفع على الابتداء ، و * ( من أنباء الغيب ) * الخبر و * ( نوحيها إليك ) * خبر ثان وما بعده أيضاً خبر ثالث . ثم قال تعالى : * ( ما كنت تعلمها أنت ولا قومك ) * والمعنى : أنك ما كنت تعرف هذه القصة ، بل قومك ما كانوا يعرفونها أيضاً ، ونظيره أن تقول لإنسان لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك . فإن قيل : أليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم ؟ قلنا : تلك القصة بحسب الإجمال كانت مشهورة ، أما التفاصيل المذكورة فما كانت معلومة . ثم قال : * ( فاصبر إن العاقبة للمتقين ) * والمعنى : يا محمد اصبر أنت وقومك على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار ، وفيه تنبيه على أن الصبر عاقبته النصر والظفر والفرح والسرور كما كان لنوح عليه السلام ولقومه . فإن قال قائل : إنه تعالى ذكر هذه القصة في سورة يونس ثم إنه أعادها ههنا مرة أخرى ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟ قلنا : إن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه : ففي السورة الأولى كان الكفار يستعجلون نزول العذاب ، فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر