فخر الدين الرازي
70
تفسير الرازي
والقراءة الثالثة : قرأ حمزة وابن عامر وحفص : * ( وإن كلاً لما ) * ( الفجر : 19 ) مشددتان ، قالوا : وأحسن ما قيل فيه إن أصل لما بالتنوين كقوله : * ( أكلا لما ) * والمعنى أن كلاً ملمومين أي مجموعين كأنه قيل : وإن كلاً جميعاً . المسألة الثالثة : سمعت بعض الأفاضل قال : إنه تعالى لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات : أولها : كلمة * ( إن ) * وهي للتأكيد . وثانيها : كلمة " كل " وهي أيضاً للتأكيد . وثالثها : اللام الداخلة على خبر * ( إن ) * وهي تفيد التأكيد أيضاً . ورابعها : حرف * ( ما ) * إذا جعلناه على قول الفراء موصولاً . وخامسها : القسم المضمر ، فإن تقدير الكلام وإن جميعهم والله ليوفينهم . وسادسها : اللام الثانية الداخلة على جواب القسم . وسابعها : النون المؤكدة في قوله * ( ليوفينهم ) * فجميع هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة الواحدة تدل على أن أمر الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر ثم أردفه بقوله : * ( إنه بما يعملون خبير ) * وهو من أعظم المؤكدات . قوله تعالى * ( فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعلى لما أطنب في شرح الوعد والوعيد قال لرسوله : * ( فاستقم كما أمرت ) * وهذا الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأعمال ، سواء كان مختصاً به أو كان متعلقاً بتبليغ الوحي وبيان الشرائع ، ولا شك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جداً وأنا أضرب لذلك مثالاً يقرب صعوبة هذا المعنى إلى العقل السليم ، وهو أن الخط المستقيم الذي يفصل بين الظل وبين الضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض ، إلا أن عين ذلك الخط مما لا يتميز في الحس عن طرفيه ، فإنه إذا قرب طرف الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في الحس ، فلم يقع الحس على إدراك ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما سواه .