فخر الدين الرازي

65

تفسير الرازي

فإن قلنا : لكنه إنسان فإنه ينتج أنه حيوان ، أما إذا قلنا لكنه ليس بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان ، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئاً ، فكذا ههنا إذا قلنا متى دامت السماوات دام عقابهم ، فإذا قلنا لكن السماوات دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلاً ، أما إذا قلنا لكنه ما بقيت السماوات لم يلزم عدم دوام عقابهم . فإن قالوا : فإذا كان العقاب حاصلاً سواء بقيت السماوات أو لم تبق لم يبق لهذا التشبيه فائدة ؟ قلنا بل فيه أعظم الفوائد وهو أنه يدل على نفاذ ذلك العذاب دهراً دهراً ، وزماناً لا يحيط العقل بطوله وامتداده ، فأما أنه هل يحصل له آخر أم لا فذلك يستفاد من دلائل أخر ، وهذا الجواب الذي قررته جواب حق ولكنه إنما يفهمه إنسان ألف شيئاً من المعقولات . وأما الشبهة الثانية : وهي التمسك بقوله تعالى : * ( إلا ما شاء ربك ) * فقد ذكروا فيه أنواعاً من الأجوبة . الوجه الأول : في الجواب وهو الذي ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء . قالوا هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله البتة ، كقولك : والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك تكون على ضربه ، فكذا ههنا وطولوا في تقرير هذا الجواب ، وفي ضرب الأمثلة فيه ، وحاصله ما ذكرناه . ولقائل أن يقول : هذا ضعيف لأنه إذا قال : لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ، معناه : لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب ، وهذا لا يدل البتة على أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا بخلاف قوله : * ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) * فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء ربك ، فههنا اللفظ يدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزماً ، فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام . الوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إن كلمة * ( إلا ) * ههنا وردت بمعنى : سوى . والمعنى أنه تعالى لما قال : * ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ) * فهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السماوات والأرض في الدنيا ، ثم قال سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولاً في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه ، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله : * ( إلا ما شاء ربك ) * المعنى : إلا ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها . الوجه الثالث : في الجواب وهو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في الموقف فكأنه تعالى قال فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة فإنهم في ذلك الوقت لا يكونون