فخر الدين الرازي

60

تفسير الرازي

إلا أن يأتيهم الله ) * ( البقرة : 210 ) وقوله : * ( أو يأتي ربك ) * ( الأنعام : 158 ) ويعضده قراءة من قرأ * ( وما يؤخره ) * بالياء أقول لا يعجبني هذا التأويل ، لأن قوله : * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ) * حكاه الله تعالى عن أقوام والظاهر أنهم هم اليهود ، وذلك ليس فيه حجة وكذا قوله : * ( أو يأتي ربك ) * أما ههنا فهو صريح كلام الله تعالى وإسناد فعل الإتيان إليه مشكل . فإن قالوا : فما قولك في قوله تعالى : * ( وجاء ربك ) * . قلنا : هناك تأويلات ، وأيضاً فهو صريح ، فلا يمكن دفعه فوجب الامتناع منه بل الواجب أن يقال : المراد منه يوم يأتي الشيء المهيب الهائل المستعظم ، فحذف الله تعالى ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " : العامل في انتصاب الظرف هو قوله : * ( لا تكلم ) * أو إضمار أذكر . أما قوله : * ( لا تكلم نفس إلا بإذنه ) * ففيه حذف ، والتقدير : لا تكلم نفس فيه إلا بإذن الله تعالى . فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين سائر الآيات التي توهم كونها مناقضة لهذه الآية منها قوله تعالى : * ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ) * ( النحل : 111 ) ومنها أنهم يكذبون ويحلفون بالله عليه وهو قولهم : * ( والله ربنا ما كنا مشركين ) * ( الأنعام : 23 ) ومنها قوله تعالى : * ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) * ( الصافات : 24 ) ومنها قوله : * ( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذون لهم فيعتذرون ) * ( المرسلات : 35 ) . والجواب من وجهين : الأول : أنه حيث ورد المنع من الكلام فهو محمول على الجوابات الحقية الصحيحة . الثاني : أن ذلك اليوم يوم طويل وله مواقف ، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم ، وفي بعضها يكفون عن الكلام ، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم . أما قوله : * ( فمنهم شقي وسعيد ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : الضمير في قوله : * ( فمنهم ) * لأهل الموقف ولم يذكر لأنه معلوم ولأن قوله : * ( لا تكلم نفس إلا بإذنه ) * يدل عليه لأنه قد مر ذكر الناس في قوله : * ( مجموع له الناس ) * ( هود : 103 ) . المسألة الثانية : قوله : * ( فمنهم شقي وسعيد ) * يدل ظاهره على أن أهل الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين .