فخر الدين الرازي

49

تفسير الرازي

كانوا لا يلقون إليه أفهامهم لشدة نفرتهم عن كلامه وهو كقوله : * ( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) * ( الأنعام : 25 ) الثاني : أنهم فهموه بقلوبهم ولكنهم ما أقاموا له وزناً ، فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذ لم يعبأ بحديثه : ما أدري ما تقول . الثالث : أن هذه الدلائل التي ذكرها ما أقنعتهم في صحة التوحيد والنبوة والبعث ، وما يجب من ترك الظلم والسرقة ، فقولهم : * ( ما نفقه ) * أي لم نعرف صحة الدلائل التي ذكرتها على صحة هذه المطالب . المسألة الثانية : من الناس من قال : الفقه اسم لعلم مخصوص ، وهو معرفة غرض المتكلم من كلامه واحتجوا بهذه الآية وهي قوله : * ( ما نفقه كثيراً مما تقول ) * فأضاف الفقه إلى القول ثم صار اسماً لنوع معين من علوم الدين ، ومنهم من قال : إنه اسم لمطلق الفهم . يقال : أوتي فلان فقهاً في الدين ، أي فهماً . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " أي يفهمه تأويله . والنوع الثاني : من الأشياء التي ذكروها قولهم : * ( وإنا لنراك فينا ضعيفاً ) * وفيه وجهان : الأول : أنه الضعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه ، والثاني : أن الضعيف هو الأعمى بلغة حمير . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه : الأول : أنه ترك للظاهر من غير دليل ، والثاني : أن قوله : * ( فينا ) * يبطل هذا الوجه ؛ ألا ترى أنه لو قال : إنا لنراك أعمى فينا كان فاسداً ، لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم ، الثالث : أنهم قالوا بعد ذلك * ( ولولا رهطك لرجمناك ) * فنفوا عنه القوة التي أثبتوها في رهطه ، ولما كان المراد بالقوة التي أثبتوها للرهط هي النصرة ، وجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي النصرة ، والذين حملوا اللفظ على ضعف البصر لعلهم إنما حملوه عليه ، لأنه سبب للضعف . واعلم أن أصحابنا يحوزون العمى على الأنبياء ، إلا أن هذا اللفظ لا يحسن الاستدلال به في إثبات هذا المعنى لما بيناه . وأما المعتزلة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال : إنه لا يجوز لكونه متعبداً فإنه لا يمكنه الاحتراز عن النجاسات ، ولأنه ينحل بجواز كونه حاكماً وشاهداً ، فلأن يمنع من النبوة كان أولى ، والكلام فيه لا يليق بهذه الآية ، لأنا بينا أن الآية لا دلالة فيها على هذا المعنى . والنوع الثالث : من الأشياء التي ذكروها قولهم : * ( ولولا رهطك لرجمناك ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : الرهط من الثلاثة إلى العشرة ، وقيل إلى السبعة ، وقد كان رهطه على ملتهم . قالوا لولا حرمة رهطك عندنا بسبب كونهم على ملتنا لرجمناك ، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا أنه لا حرمة له عندهم ، ولا وقع له في صدورهم ، وأنهم إنما لم يقتلوه