فخر الدين الرازي

34

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : الضيف ههنا قائم مقام الأضياف ، كما قام الطفل مقام الأطفال . في قوله تعالى : * ( أو الطفل الذين لم يظهروا ) * ( النور : 31 ) ويجوز أن يكون الضيف مصدراً فيستغنى عن جمعه كما يقال : رجال صوم . ثم قال : * ( أليس منكم رجل رشيد ) * وفيه قولان : الأول : * ( رشيد ) * بمعنى مرشد أي يقول الحق ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي . والثاني : رشيد بمعنى مرشد ، والمعنى : أليس فيكم رجل أرشده الله تعالى إلى الصلاح . وأسعده بالسداد والرشاد حتى يمنع عن هذا العمل القبيح ، والأول أولى . ثم قال تعالى : * ( قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ) * وفيه وجوه : الأول : مالنا في بناتك من حاجة ولا شهوة ، والتقدير أن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ، فلهذا السبب جعل نفي الحق كناية عن نفي الحاجة . الثاني : أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول : معناه إنهن لسن لنا بأزواج ولا حق لنا فيهن البتة . ولا يميل أيضاً طبعنا إليهن فكيف قيامهن مقام العمل الذي نريده وهو إشارة إلى العمل الخبيث . الثالث : * ( ما لنا في بناتك من حق ) * لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نجيبك إلى ذلك فلا يكون لنا فيهن حق . ثم إنه تعالى حكى عن لوط أنه عند سماع هذا الكلام قال : * ( لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : جواب " لو " محذوف لدلالة الكلام عليه والتقدير : لمنعتكم ولبالغت في دفعكم ونظيره قوله تعالى : * ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) * ( الرعد : 31 ) وقوله : * ( ولو ترى إذ وقفوا على النار ) * ( الأنعام : 27 ) قال الواحدي وحذف الجواب ههنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من المنع والدفع . المسألة الثانية : * ( لو أن بكم قوة ) * أي لو أن لي ما أتقوى به عليكم وتسمية موجب القوة بالقوة جائز قال الله تعالى : * ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) * ( الأنفال : 60 ) والمراد السلاح ، وقال آخرون القدرة على دفعهم ، وقوله : * ( أو آوى إلى ركن شديد ) * المراد منه الموضع الحصين المنيع تشبيهاً له بالركن الشديد من الجبل ، فإن قيل : ما الوجه ههنا في عطف الفعل على الاسم ؟ قلنا : قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( أو آوى ) * بالنصب بإضمار أن ، كأنه قيل لو أن لي بكم قوة أو آوياً . واعلم أن قوله : * ( لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ) * لا بد من حمل كل واحد من هذين الكلامين على فائدة مستقلة ، وفيه وجوه : الأول : المراد بقوله : * ( لو أن لي بكم قوة ) * كونه بنفسه قادراً على الدفع وكونه متمكناً إما بنفسه وإما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم ، والمراد بقوله :