فخر الدين الرازي
231
تفسير الرازي
بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) * ( المائدة : 44 ) وبالإجماع لا يكفر فثبت أن الحكم المثبت بالقياس غير نازل من عند الله . وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون حقاً لأجل أن قوله : * ( والذي أنزل إليك من ربك الحق ) * يقتضي أنه لا حق إلا ما أنزله الله فكل ما لم ينزله الله وجب أن لا يكون حقاً ، وإذا لم يكن حقاً وجب أن يكون باطلاً لقوله تعالى : * ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ) * ( يونس : 32 ) ومثبتو القياس يجيبون عنه بأن الحكم المثبت بالقياس نازل أيضاً من عند الله ، لأنه لما أمر بالعمل بالقياس كان الحكم الذي دل عليه القياس نازلاً من عند الله . ولما ذكر تعالى أن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق بين أن أكثر الناس لا يؤمنون به على سبيل الزجر والتهديد . قوله تعالى * ( اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبَّرُ الاَْمْرَ يُفَصِّلُ لآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يدل على صحة التوحيد والمعاد وهو هذه الآية وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : الله مبتدأ والذي رفع السماوات خبره بدليل قوله : * ( وهو الذي مد الأرض ) * ( الرعد : 3 ) ويجوز أن يكون الذي رفع السماوات صفة وقوله : * ( يدبر الأمر يفصل الآيات ) * خبراً بعد خبر ، وقال الواحدي : العمد الأساطين وهو جمع عماد يقال عماد وعمد مثل إهاب وأهب ، وقال الفراء : العمد والعمد جمع العمود مثل أديم وادم وادم ، وقضيم وقضم وقضم ، والعماد والعمود ما يعمد به الشيء ، ومنه يقال : فلان عمد قومه إذا كانوا يعتمدونه فيما بينهم . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى استدل بأحوال السماوات وبأحوال الشمس والقمر وبأحوال الأرض وبأحوال النبات ، أما الاستدلال بأحوال السماوات بغير عمد ترونها فالمعنى : أن هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجو العالي ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذواتها لوجهين : الأول : أن الأجسام متساوية في تمام الماهية ولو وجب حصول جسم في حيز معين لوجب حصول كل جسم في ذلك الحين . والثاني : أن الخلاء لا نهاية له والأحياز المعترضة في ذلك