فخر الدين الرازي

209

تفسير الرازي

الذئب فأذهب اليوم بالقميص فأفرحه كما أحزنته قوله : * ( ألقاه على وجهه ) * أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو يقال ألقاه يعقوب على وجه نفسه * ( فارتد بصيراً ) * أي رجع بصيراً ومعنى الارتداد انقلاب الشيء إلى حالة قد كان عليها وقوله : * ( فارتد بصيراً ) * أي صيره الله بصيراً كما يقال طالت النخلة والله تعالى أطالها واختلفوا فيه فقال بعضهم : إنه كان قد عمي بالكلية فالله تعالى جعله بصيراً في هذا الوقت . وقال آخرون : بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان ، فلما ألقوا القميص على وجهه ، وبشر بحياة يوسف عليه السلام عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه ، فعند ذلك قوي بصره وزال النقصان عنه ، فعند هذا قال : * ( ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ) * والمراد علمه بحياة يوسف من جهة الرؤيا ، لأن هذا المعنى هو الذي له تعلق بما تقدم ، وهو إشارة إلى ما تقدم من قوله : * ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ) * ( يوسف : 86 ) روي أنه سأل البشير وقال : كيف يوسف قال هو ملك مصر ، قال : ما أصنع بالملك على أي دين تركته قال : على دين الإسلام قال : الآن تمت النعمة ، ثم إن أولاد يعقوب أخذوا يعتذرون إليه * ( وقالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ) * وظاهر الكلام أنه لم يستغفر لهم في الحال ، بل وعدهم بأنه يستغفر لهم بعد ذلك ، واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : والأكثرون أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر ، لأن هذا الوقت أوفق الأوقات لرجاء الإجابة . الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : في رواية أخرى أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة ، لأنها أوفق الأوقات للإجابة . الثالث : أراد أن يعرف أنهم هل تابوا في الحقيقة أم لا ، وهل حصلت توبتهم مقرونة بالإخلاص التام أم لا . الرابع : استغفر لهم في الحال ، وقوله : * ( سأستغفر لكم ) * معناه أني أداوم على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل ، فقد روي أنه كان يستغفر لهم في كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة ، وقيل : قام إلى الصلاة في وقت فلما فرغ رفع يده إلى السماء وقال : " اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عليه ، واغفر لأولادي ما فعلوه في حق يوسف عليه السلام " فأوحى الله تعالى إليه : قد غفرت لك ولهم أجمعين . وروي أن أبناء يعقوب عليه السلام قالوا ليعقوب وقد غلبهم الخوف والبكاء : ما يغني عنا إن لم يغفر لنا ، فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو ، وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى قل صبرهم فظنوا أنها الهلكة فنزل جبريل عليه السلام وقال : " إن الله تعالى أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة " وقد اختلف الناس في نبوتهم وهو مشهور .