فخر الدين الرازي

197

تفسير الرازي

والمعنى : لا أبرح قاعداً ومثله كثير . وأما المفسرون فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة لا تزال تذكره ، وعن مجاهد لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين . المسألة الثانية : حكى الواحدي عن أهل المعاني أن أصل الحرض فساد الجسم والعقل للحزن والحب ، وقوله : حرضت فلاناً على فلان تأويله أفسدته وأحميته عليه ، وقال تعالى : * ( حرض المؤمنين على القتال ) * ( الأنفال : 65 ) . إذا عرفت هذا فنقول : وصف الرجل بأنه حرض إما أن يكون لإرادة أنه ذو حرض فحذف المضاف أو لإرادة أنه لما تناهى في الفساد والضعف فكأنه صار عين الحرض ونفس الفساد . وأما الحرض بكسر الراء فهو الصفة وجاءت القراءة بهما معاً . إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه عبارات : أحدها : الحرض والحارض هو الفاسد في جسمه وعقله . وثانيهما : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض فقال : الفاسد الدنف . وثالثها : أنه الذي يكون لا كالأحياء ولا كالأموات ، وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ : * ( حتى تكون حرضاً ) * بضم الحاء وتسكين الراء قال يعني مثل عود الأشنان ، وقوله : * ( أو تكون من الهالكين ) * أي من الأموات ، ومعنى الآية أنهم قالوا لأبيهم إنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم كأنهم قالوا : أنت الآن في بلاء شديد ونخاف أن يحصل ما هو أزيد منه وأقوى وأرادوا بهذا القول منعه عن كثرة البكاء والأسف . فإن قيل : لم حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعاً ؟ قلنا : إنهم بنوا هذا الأمر على الظاهر . فإن قيل : القائلون بهذا الكلام وهو قوله : * ( تالله تفتؤ ) * من هم ؟ قلنا : الأظهر أن هؤلاء ليسوا هم الإخوة الذين قد تولى عنهم ، بل الجماعة الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه . ثم حكى تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه قال : * ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) * يعني أن هذا الذي أذكره لا أذكره معكم وإنما أذكره في حضرة الله تعالى ، والإنسان إذا بث شكواه إلى الله تعالى كان في زمرة المحققين كما قال عليه الصلاة والسلام : " أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك " والله هو الموفق ، والبث هو التفريق قال الله تعالى : * ( وبث فيها من كل دابة ) * ( البقرة : 164 ) فالحزن إذا ستره الإنسان كان هماً وإذا ذكره لغيره كان بثاً وقالوا : البث أشد الحزن