فخر الدين الرازي
189
تفسير الرازي
واعلم أنهم لما تفكروا في الأصوب ما هو ظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع ، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة على الوجه من غير تفاوت ، والظاهر أن هذا القول قاله ذلك الكبير الذي قال : * ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ) * قيل إنه روبيل ، وبقي هو في مصر وبعث سائر إخوته إلى الأب . فإن قيل : كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة ، لا سيما وهو قد أجاب بالجواب الشافي ، فقال الذي جعل الصواع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحلكم . والجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعاً في موضع ما كان يدخله أحد إلا هم ، فلما شاهدوا أنهم أخرجوا الصواع من رحله غلب على ظنونهم أنه هو الذي أخذ الصواع ، وأما قوله : وضع الصواع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم فالفرق ظاهر ، لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم ، وأما هذا الصواع فإن أحداً لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصواع في رحله فظهر الفرق فلهذا السبب غلب على ظنونهم أنه سرق ، فشهدوا بناء على هذا الظن ، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم : * ( وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ) * . والوجه الثاني : في الجواب أن تقدير الكلام * ( إن ابنك سرق ) * في قول الملك وأصحابه ومثله كثير في القرآن . قال تعالى : * ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) * ( هود : 87 ) أي عند نفسك ، وقال تعالى : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * ( الدخان : 49 ) أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا ههنا . الوجه الثالث : في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا الشيء يسمى سرقة فإن إطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في القرآن قال تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) . الوجه الرابع : أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال : إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئاً يوهم ذلك . الوجه الخامس : أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأ * ( إن ابنك سرق ) * بالتشديد ، أي نسب إلى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن القوم نسبوه إلى السرقة ، إلا أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه القراءات لا تدفع السؤال ، لأن الإشكال إنما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى باطلة ، والقراءة الحقة هي هذه . أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان الإشكال باقياً سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح ، فثبت أنه لا بد من الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة