فخر الدين الرازي
185
تفسير الرازي
والوجه الثاني : وهو أن الضمير في قوله : * ( فأسرها ) * عائد إلى الإجابة كأنهم قالوا : * ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) * فأسر يوسف إجابتهم في نفسه في ذلك الوقت ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقت ثان ويجوز أيضاً أن يكون إضماراً للمقالة . والمعنى : أسر يوسف مقالتهم ، والمراد من المقالة متعلق تلك المقالة كما يراد بالخلق المخلوق وبالعلم المعلوم يعني أسر يوسف في نفسه كيفية تلك السرقة ، ولم يبين لهم أنها كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم والطعن . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات لأجل همه بها ، عوقب بالحبس وبقوله : * ( اذكرني عند ربك ) * ( يوسف : 42 ) عوقب بالحبس الطويل وبقوله : * ( إنكم لسارقون ) * ( يوسف : 7 ) عوقب بقولهم : * ( فقد سرق أخ له من قبل ) * ثم حكى تعالى عن يوسف أنه قال : * ( أنتم شر مكاناً ) * أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى لما أقدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم فأخذتم أخاكم وطرحتموه في الجب ، ثم قلتم لأبيكم إن الذئب أكله وأنتم كاذبون ، ثم بعتموه بعشرين درهماً ، ثم بعد المدة الطويلة والزمان الممتد ما زال الحقد والغضب عن قلوبكم فرميتموه بالسرقة . ثم قال تعالى : * ( والله أعلم بما تصفون ) * يريد أن سرقة يوسف كانت رضا لله ، وبالجملة فهذه الوجوه المذكورة في سرقته لا يوجب شيء منها عود الذم واللوم إليه ، والمعنى : والله أعلم بأن هذا الذي وصفتموه به هل يوجب عود مذمة إليه أم لا . قوله تعالى * ( قَالُواْ يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ ) * . اعلم أنه تعالى بين أنهم بعد الذي ذكروه من قولهم : * ( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) * ( يوسف : 77 ) أحبوا موافقته والعدول إلى طريقة الشفاعة فإنهم وإن كانوا قد اعترفوا أن حكم الله تعالى في السارق أن يستعبد ، إلا أن العفو وأخذ الفداء كان أيضاً جائزا ، فقالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً أي في السن ، ويجوز أن يكون في القدر والدين ، وإنما ذكروا ذلك لأن كونه ابناً لرجل كبير القدر