فخر الدين الرازي

183

تفسير الرازي

إلهية الشمس والقمر والكواكب ووصف ههنا يوسف أيضاً بقوله : * ( نرفع درجات من نشاء ) * لما هداه إلى هذه الحيلة وكم بين المرتبتين من التفاوت . ثم قال تعالى : * ( وفوق كل ذي علم عليم ) * والمعنى أن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماء فضلاء ، إلا أن يوسف كان زائداً عليهم في العلم . واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى عالم بذاته لا بالعلم فقالوا : لو كان عالماً بالعلم لكان ذا علم ولو كان كذلك ، لحصل فوقه عليم تمسكاً بعموم هذه الآية وهذا باطل . واعلم أن أصحابنا قالوا دلت سائر الآيات على إثبات العلم لله تعالى وهي قوله : * ( إن الله عنده علم الساعة ) * ( لقمان : 34 ) * ( أنزله بعلمه ) * ( النساء : 166 ) * ( لا يحيطون بشيء من علمه ) * ( البقرة : 255 ) * ( ما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) * ( فاطر : 11 ) وإذا وقع التعارض فنحن نحمل الآية التي تمسك الخصم بها على واقعة يوسف وإخوته خاصة غاية ما في الباب أنه يوجب تخصيص العموم ، إلا أنه لا بد من المصير إليه لأن العالم مشتق من العلم ، والمشتق مركب والمشتق منه مفرد ، وحصول المركب بدون حصول المفرد محال في بديهة العقل فكان الترجيح من جانبنا . قوله تعالى * ( قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَاللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ) * . اعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤسهم وقالوا : هذه الواقعة عجيبة أن راحيل ولدت ولدين لصين ، ثم قالوا : يا بني راحيل ما أكثر البلاء علينا منكم ، فقال بنيامين ما أكثر البلاء علينا منكم ذهبتم بأخي وضيعتموه في المفازة ، ثم تقولون لي هذا الكلام ، قالوا له : فكيف خرج الصواع من رحلك ، فقال : وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم . واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أنهم قالوا للملك : إن هذا الأمر ليس بغريب منه فإن أخاه الذي هلك كان أيضاً سارقاً ، وكان غرضهم من هذا الكلام أنا لسنا على طريقته ولا على سيرته ، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة لأنهما من أم أخرى ، واختلفوا في السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام على أقوال : الأول : قال سعيد بن جبير : كان جده أبو أمه كافراً يعبد الأوثان فأمرته