فخر الدين الرازي

171

تفسير الرازي

والقول الثاني : أن كلمة " ما " ههنا للاستفهام ، والمعنى : لما رأوا أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا : ما نبغي بعد هذا ، أي أعطانا الطعام ، ثم رد علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه ، فأي شيء نبغي وراء ذلك ؟ واعلم أنا إذا حملنا " ما " على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق هذا الإكرام إن الرجل رد دراهمنا إلينا فإذا ذهبنا إليه نمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا . قال الأصمعي : يقال ماره يميره ميراً إذا أتاه بميرة أي بطعام ومنه يقال : ما عنده خير ولا مير وقوله : * ( ونزداد كيل بعير ) * معناه : أن يوسف عليه السلام كان يكيل لكل رجل حمل بعير فإذا حضر أخوه فلا بد وأن يزداد ذلك الحمل ، وأما إذا حملنا كلمة " ما " على النفي كان المعنى لا نبغي شيئاً آخر هذه بضاعتنا ردت إلينا فهي كافية لثمن الطعام في الذهاب الثاني ، ثم نفعل كذا وكذا . وأما قوله : * ( ذلك كيل يسير ) * ففيه وجوه : الأول : قال مقاتل : ذلك كيل يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل وهو اختيار الزجاج . والثاني : ذلك كيل يسير ، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير . والثالث : أن يكون المراد ذلك الذي يدفع إلينا دون أخينا شيء يسير قليل فابعث أخانا معنا حتى نتبدل تلك القلة بالكثرة . قوله تعالى * ( قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ) * . اعلم أن الموثق مصدر بمعنى الثقة ومعناه : العهد الذي يوثق به فهو مصدر بمعنى المفعول يقول : لن أرسله معكم حتى تعطوني عهداً موثوقاً به وقوله : * ( من الله ) * أي عهداً موثوقاً به بسبب تأكده بإشهاد الله وبسبب القسم بالله عليه ، وقوله : * ( لتأتنني به ) * دخلت اللام ههنا لأجل أنا بينا أن المراد بالموثق من الله اليمين فتقديره : حتى تحلفوا بالله لتأتنني به . وقوله : * ( إلا أن يحاط بكم ) * فيه بحثان : البحث الأول : قال صاحب " الكشاف " : هذا الاستثناء متصل . فقوله : * ( إلا أن يحاط بكم ) * مفعوله له ، والكلام المثبت الذي هو قوله : * ( لتأتنني به ) * في تأويل المنفي ، فكان المعنى : لا تمتنعون