فخر الدين الرازي

18

تفسير الرازي

طمعوا فيه من هذا الوجه . الثاني : قال بعضهم المراد أنك كنت تعطف على فقرائنا وتعين ضعفاءنا وتعود مرضانا فقوي رجاؤنا فيك أنك من الأنصار والأحباب ، فكيف أظهرت العداوة والبغضة ثم إنهم أضافوا إلى هذا الكلام التعجب الشديد من قوله : * ( فقالوا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) * والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد ووجوب متابعة الآباء والأسلاف ، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا : * ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ) * ( ص : 5 ) ثم قالوا : * ( وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ) * والشك هو أن يبقى الإنسان متوقفاً بين النفي والإثبات والمريب هو الذي يظن به السوء فقوله : * ( وإننا لفي شك ) * يعني به أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله وقوله : * ( مريب ) * يعني أنه ترجح في اعتقادهم فساد قوله وهذا مبالغة في تزييف كلامه . قوله تعالى * ( قَالَ يا قَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّى وَءَاتَانِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ ) * . اعلم أن قوله : * ( إن كنت على بينة من ربي ) * ورد بحرف الشك وكان على يقين تام في أمره إلا أن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول ، فكأنه قال : قدروا أني على بينة من ربي وأني نبي على الحقيقة ، وانظروا أني إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره فمن يمنعني من عذاب الله فما تزيدونني على هذا التقدير غير تخسير ، وفي تفسير هذه الكلمة وجهان : الأول : أن على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها . الثاني : أن يكون التقدير فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملوني عليه غير أن أخسركم أي أنسبكم إلى الخسران ، وأقول لكم إنكم خاسرون ، والقول الأول أقرب لأن قوله : * ( فمن ينصرني من الله إن عصيته ) * ( هود : 63 ) كالدلالة على أنه أراد إن أتبعكم فيما أنتم عليه من الكفر الذي دعوتموني إليه لم أزدد إلا خسراناً في الدين فأصير من الهالكين الخاسرين .