فخر الدين الرازي
169
تفسير الرازي
الثالث : أراد به التوسعة على أبيه لأن الزمان كان زمان القحط . الرابع : رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع شدة حاجتهم إلى الطعام لؤم . الخامس : قال الفراء : إنهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم وقع في قلوبهم أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد الأنبياء فرجعوا ليعرفوا السبب فيه ، أو رجعوا ليردوا المال إلى مالكه . السادس : أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم به عيب ولا منة . السابع : مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء والظلم ولا لطلب زيادة في الثمن . الثامن : أراد أن يعرف أبوه أنه أكرمهم وطلبه له لمزيد الإكرام فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه . التاسع : أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمان ، وكان يخاف اللصوص من قطع الطريق ، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم . العاشر : أراد أن يقابل مبالغتهم في الإساءة بمبالغته في الإحسان إليهم . ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما رجعوا إلى أبيهم قالوا : * ( يا أبانا منع منا الكيل ) * وفيه قولان : الأول : أنهم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عنده منعوا منه ، فقولهم : * ( منع مهنا الكيل ) * إشارة إليه . والثاني : أنه منع الكيل في المستقبل وهو إشارة إلى قول يوسف : * ( فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ) * ( يوسف : 60 ) والدليل على أن المراد ذلك قولهم : * ( فأرسل معنا أخانا نكتل ) * قرأ حمزة والكسائي : * ( يكتل ) * بالياء ، والباقون بالنون ، والقراءة الأولى تقوى القول الأول ، والقراءة الثانية تقوي القول الثاني . ثم قالوا : * ( وإنا له لحافظون ) * ضمنوا كونهم حافظين له ، فلما قالوا ذلك قال يعقوب عليه السلام : * ( هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ) * والمعنى أنكم ذكرتم قبل هذا الكلام في يوسف وضمنتم لي حفظه حيث قلتم : * ( وإنا له لحافظون ) * ( يوسف : 12 ) ثم ههنا ذكرتم هذا اللفظ بعينه فهل يكون ههنا أماني إلا ما كان هناك يعني لما لم يحصل الأمان هناك فكذلك لا يحصل ههنا . ثم قال : * ( فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين ) * قرأ حمزة والكسائي * ( حافظاً ) * بالألف على التمييز والتفسير على تقدير هو خير لكم حافظاً كقولهم : هو خيرهم رجلاً ولله دره فارساً ، وقيل : على الحال والباقون : * ( حفظاً ) * بغير ألف على المصدر يعني خيركم حفظاً يعني حفظ الله لبنيامين خير من حفظكم ، وقرأ الأعمش * ( فالله خير حافظ ) * وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه * ( خير الحافظين وهو أرحم الراحمين ) * وقيل : معناه وثقت بكم في حفظ يوسف عليه السلام فكان ما كان فالآن أتوكل على الله في حفظ بنيامين . فإن قيل : لم بعثه معهم وقد شاهد ما شاهد .