فخر الدين الرازي
167
تفسير الرازي
والوجه الثاني : أنهم لما دخلوا عليه ، عليه السلام وأعطاهم الطعام قال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نحن قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد فجئنا نمتار فقال : لعلكم جئتم عيوناً فقالوا معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد شيخ صديق نبي اسمه يعقوب قال : كم أنتم قالوا : كنا اثني عشر فهلك منا واحد وبقي واحد مع الأب يتسلى به عن ذلك الذي هلك ، ونحن عشرة وقد جئناك قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخ لكم من أبيكم ليبلغ إلي رسالة أبيكم فعند هذا أقرعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون ، وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده . والوجه الثالث : لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف : فلم تركتموه وحيداً فريداً ؟ قالوا : ما تركناه وحيداً ، بل بقي عنده واحد . فقال لهم : لم استخلصه لنفسه ولم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده ؟ فقالوا : لا . بل لأجل أنه يحبه أكثر من محبته لسائر الأولاد فعند هذا قال يوسف لما ذكرتم أن أباكم رجل عالم حكيم بعيد عن المجازفة ، ثم إنه خصه بمزيد المحبة وجب أن يكون زائداً عليكم في الفضل ، وصفات الكمال مع أني أراكم فضلاء علماء حكماء فاشتاقت نفسي إلى رؤية ذلك الأخ فائتوني به ، والسبب الثاني : ذكره المفسرون ، والأول والثالث محتمل والله أعلم . ثم إنه تعالى حكى عنه أنه قال : * ( ألا ترون أني أوف الكيل ) * أي أتمه ولا أبخسه ، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم ، وأنا خير المنزلين ، أي خير المضيفين لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم . وأقول : هذا الكلام يضعف الوجه الثاني وهو الذي نقلناه عن المفسرين ، لأن مدار ذلك الوجه على أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس ، ولو شافههم بذلك الكلام فلا يليق به أن يقوم لهم : * ( ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين ) * وأيضاً يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقاً أن يقول لهم أنتم جواسيس وعيون ، مع أنه يعرف براءتهم عن هذه التهمة ، لأن البهتان لا يليق بحال الصديق . ثم قال : * ( فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ) * . واعلم أنه عليه السلام لما طلب منهم إحضار ذلك الأخ جمع بين الترغيب والترهيب . أما الترغيب : فهو قوله : * ( ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين ) * وأما الترهيب : فهو قوله : * ( فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ) * وذلك لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى تحصيل الطعام ، وما كان يمكنهم تحصيله إلا من عنده ، فإذا منعهم من الحضور عنده كان ذلك نهاية الترهيب والتخويف ، ثم إنهم لما سمعوا هذا الكلام من يوسف قالوا : * ( سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون ) * أي سنجتهد ونحتال على أن ننزعه من يده ، وإنا لفاعلون هذه المراودة ، والغرض من التكرير