فخر الدين الرازي
129
تفسير الرازي
المسألة الخامسة : القائلون بأن الملك أفضل من البشر احتجوا بهذه الآية فقالوا : لا شك إنهن إنما ذكرت هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف عليه السلام . فوجب أن يكون إخراجه من البشرية وإدخاله في الملكية سبباً لتعظيم شأنه وإعلاء مرتبته ، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان الملك أعلى حالاً من البشر ، ثم نقول : لا يخلو إما أن يكون المقصود بيان كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الظاهر ، أو كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الباطن ، والأول باطل لوجهين : الأول : أنهم وصفوه بكونه كريماً ، وإنما يكون كريماً بسبب الأخلاق الباطنة لا بسبب الخلقة الظاهرة ، والثاني : أنا نعلم بالضرورة أن وجه الإنسان لا يشبه وجوه الملائكة البتة . أما كونه بعيداً عن الشهوة والغضب معرضاً عن اللذات الجسمانية متوجهاً إلى عبودية الله تعالى مستغرق القلب ، والروح فيه فهو أمر مشترك فيه بين الإنسان الكامل وبين الملائكة . وإذا ثبت هذا فنقول : تشبيه الإنسان بالملك في الأمر الذي حصلت المشابهة فيه على سبيل الحقيقة أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل المشابهة فيه البتة ، فثبت أن تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في هذه الآية إنما وقع في الخلق الباطن ، لا في الصورة الظاهرة ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب أن يكون الملك أعلى حالاً من الإنسان من هذه الفضائل ، فثبت أن الملك أفضل من البشر والله أعلم . المسألة السادسة : لغة أهل الحجاز إعمال " ما " عمل ليس وبها ورد قوله : * ( ما هذا بشراً ) * ومنها قوله : * ( ما هن أمهاتهم ) * ( المجادلة : 2 ) ومن قرأ على لغة بني تميم . قرأ * ( ما هذا بشر ) * وهي قراءة ابن مسعود وقرئ * ( ما هذا بشراً ) * أي ما هو بعبد مملوك للبشر * ( إن هذا إلا ملك كريم ) * ثم نقول : ما هذا بشراً ، أي حاصل بشراً بمعنى هذا مشترى ، وتقول : هذا لك بشراً أم بكراً ، والقراءة المعتبرة هي الأولى لموافقتها المصحف ، ولمقابلة البشر للملك . قوله تعالى * ( قَالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّن الصَّاغِرِينَ ) * . اعلم أن النسوة لما قلن في امرأة العزيز قد شغفها حباً إنا لنراها في ضلال مبين ، عظم ذلك