فخر الدين الرازي
122
تفسير الرازي
الباب وخرج ، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا يخرج ، وقوله : * ( واستبقا الباب ) * أي استبقا إلى الباب كقوله : * ( واختار موسى قومه سبعين رجلاً ) * ( الأعراف : 155 ) أي من قومه . واعلم أن يوسف عليه السلام سبقها إلى الباب وأراد الخروج والمرأة تعدو خلقه فلم تصل إلا إلى دبر القميص فقدته ، أي قطعته طولاً ، وفي ذلك الوقت حضر زوجها وهو المراد من قوله * ( وألفيا سيدها لدى الباب ) * أي صادفا بعلها تقول المرأة لبعلها سيدي ، وإنما لم يقل سيدهما لأن يوسف عليه السلام ما كان مملوكاً لذلك الرجل في الحقيقة ، فعند ذلك خافت المرأة من التهمة فبادرت إلى أن رمت يوسف بالفعل القبيح ، وقالت : * ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) * والمعنى ظاهر . وفي الآية لطائف : إحداها : أن " ما " يحتمل أن تكون نافية ، أي ليس جزاؤه إلا السجن ، ويجوز أيضاً أن تكون استفهامية يعني أي شيء جزاؤه إلا أن يسجن كما تقول : من في الدار إلا زيد . وثانيها : أن حبها الشديد ليوسف حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن ، وأخرت ذكر العذاب ، لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب ، وأيضاً أنها لم تذكر أن يوسف يجب أن يعامل بأحد هذين الأمرين ، بل ذكرت ذلك ذكراً كلياً صوناً للمحبوب عن الذكر بالسوء والألم ، وأيضاً قالت : * ( إلا أن يسجن ) * والمراد أن يسجن يوماً أو أقل على سبيل التخفيف . فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر بهذه العبارة ، بل يقال : يجب أن يجعل من المسجونين ألا ترى أن فرعون هكذا قال حين تهدد موسى عليه السلام في قوله : * ( لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ) * ( الشعراء : 29 ) وثالثها : أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها أنه كان في عنفوان العمر وكمال القوة ونهاية الشهوة ، عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول إن يوسف عليه السلام قصدني بالسوء ، وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض ، فانظر إلى تلك المرأة ما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب وأن هؤلاء الحشوية يرمونه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بهذا الذنب القبيح . ورابعها : أن يوسف عليه السلام أراد يضربها ويدفعها عن نفسه ، وكان ذلك بالنسبة إليها جارياً مجرى السوء فقولها : * ( ما جزاء من أراد بأهلك سوأ ) * جارياً مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي . واعلم أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام ولطخت عرض يوسف عليه السلام احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال : ) * هي راودتني عن نفسي ) * ، وأن يوسف عليه السلام ما هتك سترها في أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض أظهر الأمر .