فخر الدين الرازي
13
تفسير الرازي
كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر ، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل أنه لا تجوز عبادتها وتركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله بل عن حكم نظر العقل وبديهة النفس . وثالثها : قوله : * ( وما نحن لك بمؤمنين ) * وهذا يدل على الإصرار والتقليد والجحود . ورابعها : قولهم : * ( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) * يقال : اعتراه كذا إذا غشيه وأصابه . والمعنى : أنك شتمت آلهتنا فجعلتك مجنوناً وأفسدت عقلك ، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ذلك قال هود عليه السلام : * ( إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ) * وهو ظاهر . ثم قال : * ( فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون ) * وهذا نظير ما قاله نوح عليه السلام لقومه : * ( فاجمعوا أمركم وشركاءكم ) * إلى قوله : * ( ولا تنظرون ) * ( يونس : 71 ) . واعلم أن هذا معجزة قاهرة ، وذلك أن الرجل الواحد إذا أقبل على القوم العظيم وقال لهم : بالغوا في عداوتي وفي موجبات إيذائي ولا تؤجلون فإنه لا يقول هذا إلا إذا كان واثقاً من عند الله تعالى بأنه يحفظه ويصونه عن كمد الأعداء . ثم قال : * ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) * قال الأزهري : الناصية عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته . واعلم أن العرب إذا وصفوا إنساناً بالذلة والخضوع قالوا : ما ناصية فلان إلا بيد فلان ، أي أنه مطيع له ، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته ، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون فقوله : * ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) * أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته ، ومنقاد لقضائه وقدره . ثم قال : * ( إن ربي على صراط مستقيم ) * وفيه وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال : * ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) * أشعر ذلك بقدرة عالية وقهر عظيم فأتبعه بقوله : * ( إن ربي على صراط مستقيم ) * أي أنه وإن كان قادراً عليهم لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب ، قالت المعتزلة قوله : * ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) * يدل على التوحيد وقوله : * ( إن ربي على صراط مستقيم ) * يدل على العدل ، فثبت أن الدين إنما يتم بالتوحيد والعدل . والثاني : أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع الخلق أتبعه بقوله : * ( إن ربي على صراط مستقيم ) * يعني أنه لا يخفى عليه مستتر ، ولا يفوته هارب ، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه ، كما قال : * ( إن ربك لبالمرصاد ) * ( الفجر : 14 ) الثالث : أن يكون المراد * ( إن ربي ) * يدل على الصراط المستقيم ، أي يحث ، أو يحملكم بالدعاء إليه .